والذي ينبغي أن نقف عنده في دراستنا هذه أن الرواة نسجوا قصصًا حول علاقات الشعراء بنساءٍ بأعيانهن ثم تداول اللاحقون تلك القصص حتى غدت كالحقائق التاريخية، فثمة قصة امرئ القيس وابنة عمه عنيزة في يوم دارة جلجل4 وثمة قصة عنترة وابنة عمه عبلة5 ... الخ، على أن العودة إلى ديواني الشاعرين تثبت أن كلًا منهما استحضر أسماء عدد كبير من النساء في غزله ونسيبه وطلله غير عنيزة وغير عبلة، ففي ديوان امرئ القيس ترد أسماء: (أم الحويرث، وأم الرباب، وفاطم، وسلمى، وبسباسة، وأم جندب، وسليمى، وأسماء، وابنة عفزر، وأم هاشم، وأم عمرو، وهر، والرباب، وفرتنى، ولميس، وماويّة، وليلى، ورقاش، وسعاد، ودعد، وفاطمة، ومي، وجمل، وابنة البكري، وفطيمة) وفي ديوان عنترة ترد أسماء (أم الهيثم، ورقاش، وقطام، وسمية) فأية قيمة تبقى لهذه الأخبار والقصص التي تحصر علاقة الشاعر بامرأة بعينها دون سواها من النساء؟
إن الذي نذهب إليه أن هذه الأخبار مستنبطة من النص الشعري لا من الواقع التاريخي، ولا يخلو من دلالة أن يكون اسم عنيزة ورد في أشهر قصيدة لامرئ القيس وهي معلقته وأن يكون اسم عبلة ورد في أشهر قصيدة لعنترة وهي معلقته أيضًا.
ولا يختلف زهير عن سواه من الشعراء الجاهليين في إطار الظاهرة، فثمة أخبار تروي قصصًا عن علاقته بأم أوفى التي افتتح معلقته بلوحة طللها فقد ذكروا أن أم أوفى كانت زوجته فولدت منه أولادًا كانوا يموتون فتزوج أخرى هي كبشة بنت عمار بن سحيم فولدت له كعبًا وبجيرًا وسالمًا ووبرة والخنساء، فغارت أم أوفى فآذته فطلقها فقبحتها نفسه فقال:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
والقصة محبوكة بشكل مقنع، ولكن المتأمل لديوان زهير جدير بأن يقف على ما يشكل في هذه التفاصيل التي يبدو أن الخيال القصصي كان له شأن في تنسيقها واختلاق قسم منها. ... وفي طول المعاشرة التقالي