ويبدو أن هذه المتابعة الجمالية لصورة الظعن كانت تبعثها عند زهير حالة نفسية متفتحة كانت طابع أكثر نصوصه لا سيما قصائد مديحه، أما حين تعتريه حالة الغضب والسخط فإن الأمر يتخذ مسارًا آخر، فحين انتهب بنو الصيداء أبله وعبدًا له يقال له (يسار) ورأى أن يهددهم بهجائه لم يكن منه إلا أن افتتح قصيدته بلوحة ظعن مضطرب تغلب عليه الحيرة ويشتت أمر الراحلين غياب الرأي فكأنه كان يرسم في هذه اللوحة صورة أبله وعبده وقد اضطرب الأمر عندما أحدق بهم فرسان بني الصيداء فلم تعد ثمة فرصة لاتخاذ قرار:
بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا
رد القيان جمال الحي فاحتملوا ... إلى الظهيرة أمر بينهم لبِكُ
ما إن يكاد يخليهم لوجهتهم ... تخالج الأمر إن الأمر مشترك
وعرسوا ساعة في كثب أسنمةٍ ... ومنهم بالقسوميات معترك
يغشى الحداة بهم حر الكثيب كما ... يغشي السفائن موج اللجة العرك
ثم استمروا وقالوا إن موعدكم ... ماء بشرقي سلمى فَيْدُ أو رَكَكُ
(الديوان 164) ... وعلق القلب من أسماء ما علقا
إن هذا التلازم بين الحالة النفسية التي يبعثها المناخ الموضوعي للنص وحالة الجهد الإبداعي لم يدع مجالًا لصورة المرأة أن تجد سبيلها دائمًا لتحقيق قدرتها التأثيرية الخاصة في أكثر لوحات ظعن زهير، على أنه عمد في حالات نادرة جدًا إلى استحضار تلك القدرة لتحقيق تهيئة نفسية من نمط خاص، ففي نص اتجه به إلى مديح هرم بن سفان بقيم القدرة والحكمة والكرم وإطلاق الأسرى دون فداء كان له أن يمنح الظعينة قعده تصوير مدى تعلقه بها حتى وهي ترحل وتتركه لما يقاسي من وجد:
إن الخليط أجد البيت فانفرقا
وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى رهنها غلقا
وأخلفتك ابنة البكري ما وعدت ... فأصبح الحبل منها واهنًا خلقا
قامت تبدّى بذي ضال لتحزنني ... ولا محالة أن يشتاق من عشقا
(الديوان 33) ... من النواضح تسقي جنة سحقا