إن القضية الأهم في طرح هذه الإشكاليات هي: جدلية الدافع أو الوازع، كما يسميه ابن خلدون، يعني: متى يكون التأسيس وما هي دوافعه؟ أهي الحاجة الملحة أم هو الهوى والرغبة؟
تمثل هذه الإشكاليات وجوه مضلع قضية التأسيس. وليست غايتنا في هذا البحث مناقشة مختلف هذه الوجوه وإنما أردنا تعميق النظرة في قضية واحدة عسانا نفلح في لفت الانتباه إليها لمزيد التعمق فيها، لأننا نرى أنها أم الإشكاليات التي تطرحها قضية التأسيس ألا وهي قضية استثمار ما وقع تأسيسه للتقدم بالعلم والإسهام في تطوير المعرفة الإنسانية. ذلك لأن فعل التأسيس قرين فعل النقد، فكل تأسيس يتبعه نقد، والنقد يوفر الأرضية الملائمة لتطوير التأسيس ويؤمن له انفتاحًا متواصلًا يجعله فاعلًا في صلب الحداثة ومتابعًا لخطى الفكر البشري.
ليس التأسيس في نظرنا خلقًا وإبداعًا فحسب!.. وإنما هو أيضًا استثمار وإضافة! هذه الإضافة قد تمليها ظروف حضارية أو اجتماعية أو سياسية...
ولئن كان تأسيس نظرية في الفلسفة أو في الأدب من الصعوبة بمكان، فإن التأسيس في مجال اللغة أصعب، ذلك لأن للغة قواعد تحدد مجال الإضافة.
إن المعروف عند بعض الناس مثلًا هو أن"سيبويه" (ت 180هـ) هو مؤسس علم النحو! ولكن إلى أي حد يصدق هذا الرأي، خاصة وأننا نجده يروي معظم آرائه عن الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت175هـ) ؟ فهل أتى بقواعد جديدة وهل ابتكر نظامًا نحويًا جديدًا؟ طبعًا لا!..
إن مزية"سيبويه"تتمثل في كونه جمع التراث النحوي ودرسه ونظمه وبوّبه تبويبًا جعله يُبرز من خلاله فكرًا نحويًا يقوم على منطق اللغة وعلى الظروف الحياتية للمتكلمين بها، وهكذا يكون شرّع للتفكير اللغوي وأسَّس فكرًا نحويًا!
وكذا فعل ابن خلدون (ت808هـ) في تأسيسه لعلم الاجتماع، إذ انطلق من نقد التاريخ واستنتج قواعد سير المجتمعات البشرية فأسس علم العمران.