فهرس الكتاب

الصفحة 17032 من 23694

سقنا هذين المثالين لأنهما يمثلان محطتين هامتين في التراث العربي ويؤكدان قدرة الفكر العربي على تأسيس نظريات يمكن أن تكون مرجعًا للفكر البشري.

إن قضية التأسيس تمثل مشكلًا عويصًا كثر فيه النقاش وما زال، وهو في نفس الوقت موضوع انقسام في الآراء بين الباحثين. لأن الباحث يجد نفسه أمام إشكال هام يمس هويته: هل يؤسس من جديد؟ أم يرجع إلى التراث ليدرس ما وقع تأسيسه لنقده واستثماره وتطويره، أم يأخذ النظريات الجاهزة التي أسسها علماء الأمم الأخرى ويسقطها إسقاطًا بحيث يجعلها قالبًا يصب فيه موروثه الفكري ويخضعه إخضاعًا حتى ينصاع للقالب كما هو الحال اليوم في بعض الدراسات اللسانية العربية التي تأبى إلا أن تُخضع نتائج الفكر العربي لمقولات غربية؟

لعل الإعجاب بالغرب وسيطرة الثقافة الغربية على البلدان التي عاشت الاستعمار والتشكيك في الهوية والتنكر للتراث عوامل سيطرت على الفكر العربي الذي ظل يحاول التأسيس وبناء النهضة على مختلف الأصعدة منذ ظهور حركة الإصلاح في أواخر القرن الماضي وحتى اليوم. وها نحن ما زلنا نتوق إلى التأسيس ولم ننته منه بعد!.. وهذا أوجد فينا شيئًا من التشتت وعدم الثقة بقدرتنا على الإبداع!.. وذلك يعود-حسب رأينا- إلى أننا لم نستثمر بعدُ ما وقع تأسيسه، وكمثال على ذلك نسوق مثالين لنمطين من أنماط التأسيس في علم اللغة.

الأول: تأسيس انطلاقًا من مبادئ وقع إقرارها من قبل، أي استثمار لتأسيس سابق وتطويره ومثال ذلك: تأسيس نظرية الدلالة عند الأصوليين.

الثاني: تأسيس في ميدان بكر، ومثال ذلك تأسيس مبادئ استحداث المصطلحات العلمية العربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت