إن التأسيس، انطلاقًا مما وقع تأسيسه سابقًا، يُعدُّ عملية فكرية واعية أدرك أبعادها علماء الأصول، لذلك سعوا إلى استثمار البحوث السابقة في علوم اللغة ليتمكنوا من استخراج الأحكام الفقهية. وبما أن التأسيس يقتضي تشريعًا، فإن نظرية الدلالة عند الأصوليين شرع لها الإمام الشافعي (ت205هـ) ثم الغزالي (ت505هـ) ثم الآمدي (631هـ) وغيرهم...
إن البحث في دلالة النص اضطرهم إلى البحث في دلالة الكلمة، فدرسوا دلالة الكلمة اللغوية ودلالتها النحوية، كما تعمقوا في بحث الدلالة الإفرادية والدلالة التركيبية.
ونظرية الدلالة هذه تنصهر في منظومة فكرية متكاملة العناصر،"إذ كان مصطلح"بيان"يشمل كافة الأساليب والوسائل التي تساهم في تحقيق كل ما يتم تبليغه". (1) بل إن البيان عند الجاحظ (ت255هـ) هو اسم جامع لما تتحقق به عملية الإبلاغ والإفهام، أي التبيين.
والدافع إلى نشوء نظرية البيان هو فهم النص الديني والقرآن بالأساس."وهذه الدراسات البيانية انتقلت بالبيان العربي من حالة اللاوعي، حالة العفوية اللغوية، إلى حالة الوعي: حالة التفكير المنظم." (2)
لقد كان الدافع الأساسي لظهور نظرية الدلالة العربية ومن قبْلها علم البيان العربي محاولات العلماء فهم ما استغلق عليهم من آي القرآن. ويمكن اعتبار الخطوط الأولى لتأسيس علم الدلالة قام بها ثلاثة فقهاء هم:
1-مقاتل بن سليمان (150هـ) إذ اهتم بتعدد معاني القرآن في كتابه"الأشباه والنظائر في القرآن الكريم".
2-يحي بن الفراء (207هـ) مؤلف كتاب:"معاني القرآن"الذي طرح فيه إشكالية التجوز في معاني القرآن.
3-أبو عبيدة معمر بن المثنى (215هـ) الذي درس الأساليب البلاغية في القرآن في كتابه:"مجاز القرآن".
ولعل محمد بن إدريس الشافعي يُعتبر واضع حجر الزاوية في علم الدلالة فقد عرّف البيان بأنه"اسم جامع لمعاني مجتمعة الأصول متشعبة الفروع" (3) .