وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال:"كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم رجل منهم بالحج، فإن كان من أهل المدر ـ يعني أهل البيوت ـ نقب في ظهر بيته، فمنه يدخل ومنه يخرج، أو يضع سلمًا فيصعد منه وينحدر عليه. وإن كان من أهل الوبر ـ يعني من أهل الخيام ـ يدخل من خلف الخيمة، إلاّ من كان من الحُمْس ( [10] ) ". وقال النبي صلى الله عليه وسلم لقطبة بن عامر الأنصاري زمن الحديبية:"إني أحمس" ( [11] ) ، أي من القوم الّذين لا يدينون بدين الحلة. وظلوا على هذا التشدد في الدين حتى بعد دخول الإسلام، فقد كان أحد الصحابة ( [12] ) قائمًا في الشمس، نذر ألا يقعد ولا يستظلّ ولا يتكلم، ولا يصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين رآه على هذه الحالة:"مُرُوهُ فَلْيَتَكَلّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ وليقعد وليتم صومه." ( [13] ) ؛ وكان الحمس حتى بعد دخول الإسلام يقفون بالمزدلفة، ومن سواهم يقفون بعرفة، حتى أنزل الله تعالى: (... ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ...) ( [14] ) ، وعائشة رضي الله عنها أكدت هذا المعنى في حديثها ( [15] ) ..
المعنى الثاني: الشجاعة والمنع والمحاربة. وفي الحديث:"أما بنو فلان فَمُسَك أحماس ( [16] ) .". أي شجعان؛ وفي حديث عرفة:"هذا من الحمس" ( [17] ) ، أي من الشجعان. وقال ابن الأعرابي في قول عمرو"بِتَثْلِيثَ ما ناصَيت بعدي الأحامِسا." ( [18] ) . أي الشجعان، وقال الزمخشري:"وقعوا في هند الأحامس ... وبنو هند قوم من العرب فيهم حماسة، ومعنى إضافتهم إلى الأحامس إضافتهم إلى شجعانهم أو إلى جنس الشجعان وإنه منهم." ( [19] ) .
وقال رؤبة ( [20] ) :
وكاهلًا ذا بركة هروسًا
لاقين منه حُمَسا حَمِيسا
وفي حديث عمر رضي الله عنه، ذكر الأحامس أي الشجعان ( [21] ) ؛ ونجدة حمساءَ أي شجاعة، وقال:
بِنَجْدَةٍ حَمْسَاءَ تُعْدِيْ الذِّمْرا ( [22] )