وقد يستدعي اللفظ قافية موافقة لمعناه من ناحية العلوم وفروعها، ومرتبطة باللفظ الأول ارتباط تمايز وتوافق، ومنه على الكامل ( [43] ) :
وأَزَالَ ظُلمًَا عَمَّ كُلَّ مُعَمَّمٍ
مِنْ سَائِرِ الأَنْوَاعِ وَالأَجْنَاسِ
فقول الشاعر"الأنواع"يقرِّب إلى الظن أن يقع لفظ"الأجناس"موقع القافية لكونه موافقًا لها وللمعنى الذي يستدعي لفظ"الأنواع".
*التوشيح: هو أن يكون"أول البيت شاهدًا بقافيته، ومعناها متعلقًا به، حتى أن الذي يعرف قافية القصيدة التي ينتمي إليها البيت، إذا سمع أول البيت عرف آخره، وبانت له قافيته" ( [44] ) . ويحقق التوشيح ارتباطًا بين الشطرين قد لا يحققه الوجه اللفظي ولذلك اعتمده الشعراء في العصر المملوكي بكثافة بلغت (6.96) . وإِذا أضفنا إليه الترشيح، بوصفه أحد قسمي الوجه الدلالي للتصدير، فتكون النسبة (15.84) ، وهي نسبة مرتفعة قياسًا بالوجه اللفظي الذي بلغت نسبته (1.42) فقط. وهذا يدل على أن الشعر المملوكي اهتم بالوجه الدلالي، ويعزز هذا أن الأخير أكثر فاعلية في ربط الشطرين، أما الوجه اللفظي فهو بمثابة تأطير للارتباط المعنوي وتقوية إيقاعية متناغمة مع الوجه الدلالي، ولكنها لا تعوّضه أو تحل محله، بخاصة أن على الشعر المحافظة على الحد الأدنى من الوظيفة التواصلية إلى جانب الوظيفة الشعرية المهيمنة.
ومن أشكال ذلك التعلّق الدلالي قول عفيف الدين التِّلِمْساني (ـ 688هـ) ، على البسيط. ( [45] )
فَالأَجْرُ يَا أَمَلِيْ إِنْ كُنْتَ تَكْسِبُهُ
مِنْ كُلِّ ذِيْ كَبِدٍ حرَّاءَ تكتسبُ
إنَّ الأجر ورغبة اكتسابه في الشطر الأول يوحي بالقافية"تكتسب"، وهي مرتبطة دلاليًا، بأول البيت، وقائمة عليه، بالإضافة إلى التصريع في المصراع الأول، ومنه قول ابن سَنّي الدَّولة ( [46] ) على البسيط ( [47] ) :
وَأُلْقِيْتَ فِيّ قُلُوبِ النَّاسِ بِغْضَتُهُ