فهرس الكتاب

الصفحة 17222 من 23694

يدرك المتأمل في هذه الروايات والأخبار أن جلها يتفق على فترة التأريخ لعمر الشعر الجاهلي ما بين القرن والقرنين كبداية للشعر العربي، وهذا ما جعل المستشرق كارل نارلينو ينتصر لقول الجاحظ ومن ذهب مذهبه من"العلماء العرب الذين قالوا بمدة مئة وخمسين سنة تقريبًا للشعر الجاهلي، لم يبعدوا عن الصواب إذا فرضنا أنهم أرادوا بذلك ما وصل إلينا من الأشعار القديمة"3-إن هذه الإشارة الأخيرة في النص يقرن فيها فرضية هذا المنحى بفرض أن هذا الاتجاه صائب إذا أراد به أصحابه ما وصل إلينا من الأشعار القديمة، أما إذا أخذنا بما لم يصل إلينا، فذاك ما يفتح باب القول بأن المدة التي أشارت إليها المصنفات القديمة والتي ذكرنا بعضها فيما سبق غير دقيقة وغير معبرة عن أوليات الشعر العربي القديم.

فالتضارب الذي وسم مواقف الكثير من القدماء من إشكالية أولية الشعر العربي هو الذي فتح المجال أمام الكثير من المستشرقين لإبداء تحفظ كبير حيال الجزم في هذه الإشكالية، والقول بأنه"ليس من الواضح متى بدأ العرب في نظم الشعر، فبعضهم يرجعه إلى آدم، والبعض يدعي تقديم قصائد من عهد إسماعيل وعلى الرغم من أن ملوك جنوب الجزيرة العربية ألّفوا نقوشهم بلغاتهم ولهجاتهم، فإن الأشعار التي اهتموا بنظمها، حسبما يقول الأثريون المسلمون، إنما كتبت بالعربية التي كتب بها القرآن، لكن يبدو أن الرأي العام يقرر أن الشعر العربي- على الشكل الذي استقر عليه فيما بعد - بدأ قبل ظهور الإسلام ببضعة أجيال قليله" (4) فالشك هو المقياس الأساس الذي تبناه المستشرقون منذ البداية في التعامل مع هذه الإشكالية التي اعتمدت جل أطروحاتها على موروث استعان في نقله له بالرواية الشفهية التي لا ترقى إلى مقام الدليل الموثق سندا، أو ماديا بواسطة الكشوف الحفرية أو المخطوطات الموثقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت