فهرس الكتاب

الصفحة 17233 من 23694

إن ربط جواد علي أولية الشعر العربي بالأناشيد والغناء المتصل بالحياة اليومية للعربي، جعله يلمّح إلى إمكانية ربط أولية هذا الشعر بالطقوس السحرية كما يربط ذلك الغربيون، لأن"بين الشعر والسحر صلة كبيرة، بل رأى البعض منهم أن الغرض الذي قصد إليه من الشعر في الأصل هو السحر، ودليل ذلك أن الغناء عند الشعوب البدائية، ليس متسقًا مع نغم العمل وإيقاع اليد العاملة، فنجد الغناء عند البناء أو الجر أو الحفر، أو الزرع لا يتسق مع نوع حركة العمل، وإنما كان يسلي العمال ويسعفهم بقوى سحرية، وهو الغرض من جميع فن القول عند البدائيين، أي تشجيع العمل بطريق سحري" (17) ، وهي قراءة تستمد أصولها من القراءة التي ذهب إليها (برويس) Preuss في كتابه الحضارة العقلية عند الشعوب البدائية- والتي أوردها بروكلمان في مؤلفه السالف الذكر كذلك- إذ يرى أنه"افتراض لا يقوى على النهوض أمام الحقائق الثابتة في علم الأجناس البشرية، وليس بمقنع لتفسير ما وجده الباحثون عند الأمم البدائية، فإن آثار الغناء المصاحب لحركات العمل الإيقاعية المنتظمة قليلة نادرة، على حين تصاحب الأغاني في كل مكان من الأرض أعمالًا غير مرتبطة بنظم الإيقاع، كالغزل والحياكة، والجدل، مما لا يمكن أن يشتمل على وحدة إيقاعية؛ فلم يكن الغناء في مثل هذه الأحوال متسقًا مع نغم العمل تسهيلًا له كما تقدم، وإنما كان الغناء يسلي العمال ويسعفهم بقوى سحرية. وإذًا فلابد أن يكون الغرض الذي قصد إليه الشعر في الأصل، ما دام لم يكن مقصودًا منه مجرد المسامرة، هو الغرض من جميع فن القول عند البدائيين، وتشجيع العمل بطريق سحري" (18) ، حتى يجعل من العامل عاملًا منتجًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت