فهرس الكتاب

الصفحة 17239 من 23694

إن الخوض في مسألة اللغات السامية بين شمالية وجنوبية، والتطورات التي لحقت بنظام اللسان حتى استوى على تكوينه الأخير من اسم وفعل وحرف وأيهما الأول الفعل أم الحرف أم الاسم، ومسألة النطق والكتابة وتطور الكتابة العربية حتى مراحل نضجها الأخير مسائل في غاية الصعوبة والتعقيد والفصل فيها يحتاج إلى دراسة معمقة لا يسمح بها المقام ها هنا بالإضافة إلى أسانيد علمية قوية موثقة.

وهذا ما يصعب على أي قراءة الفصل فيه، مما يبرهن على أن الفصل في أولية الشعر العربي مسألة محفوفة بالمخاطر والقول في أن أول شاعر عربي كان نبيًا-كما ذهب إلى ذلك البهبيتي- أو عاد وثمود مسألة تحتاج إلى تدقيق نظر و"أن الجهود التي بذلت عن أولية الشعر العربي لم تتعد نتائجها مرحلة الفروض التي لم يثبت منها فرض بصورة علمية حتى الآن" (26) ، وهذا ما يؤكده بروكلمان إذ قال: (27) "لا تستطيع رواية مأثورة أن تقدم لنا خبرًا صحيحًا عن أولية الشعر-عند العرب- وإذًا لا يسعنا أن نستخلص من الدراسات المشابهة عند شعوب بدائية أخرى نتائج معينة يمكن تطبيقها أيضًا على العرب"، فالبحث العلمي اليوم بوسائله المتميزة من حفريات واجتماعيات وعلم مقارنة اللغات السامية يمكن له أن ينير طريق البحث في أولية الشعر العربي إذا توفرت له الوسائل الكفيلة بذلك، وإلا بقى البحث في هذه المسألة ضربًا من الافتراضات التي لا تستند إلى سند مادي عتيد.

إن التأريخ لأولية الشعر العربي بعصر المهلهل وامرئ القيس، أي بخمسين ومئة عام أو مئتي عام قبل ظهور الإسلام-كما ذهب إلى ذلك الجاحظ- مذهب لم تستغه القراءة الحديثة معتمدة في ذلك على أن الشعر العربي الذي استوى على هذه الدرجة الفنية الراقية والصنعة المتميزة والموسيقى المبدعة يبرهن على أن هناك مراحل متقدمة تعد بالقرون كانت فترة اختمار وتبلور واستواء قبل أن ينضج بهذا الشكل المتميز عند أقدم شاعرين وصل إلينا شعرهما كالمهلهل وامرئ القيس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت