فهرس الكتاب
إن آلية النهضة التي نروم يكمن جزء منها في ممارسة النقد كما نرى.. النقد الذي يقوّم واقعنا، ويفسر كثيرًا من مظاهر جموده وتخلفه من خلال تقويمه للماضي وأحداثه لوشائج الارتباط الوثيق التي تجمع بينهما، إذ يبدو أن أسباب العديد من مظاهر الجمود والتقليد والتراجع تعود إلى تلك الصور المصنّعة، والقوالب الفكرية والسياسية والاجتماعية التي أورثها لنا التاريخ، ومن ساهم في صنعه وتدوينه حكامًا ومؤرخين، وآخرين متطوعين غافلين، أو ذوي أغراض. ودراساتنا التاريخية المعاصرة لا يمكن لها أن تتخلى عن مسؤولياتها تجاه هذه المهمة إذا أردنا لأنفسنا تاريخًا علميًا له حظ متميز في النهضة ودور فاعل في خلقها. ولا يعيبنا أن نتأسى بالتاريخ التي بدأت أوربا بصنعه منذ التحول إلى التاريخ الدنيوي ونقد لورنزا فاله في القرن الخامس عشر إلى أن أصبح التاريخ علمًا مهمًا في أواخر القرن التاسع عشر، مرورًا بالدراسات التاريخية المتميزة لعصر التنوير. وكل ذلك التاريخ كان يعتمد النقد العقلي الذي بدأ بمحاولة فاله وانتهى بالقواعد النقدية، العقلية والعملية، التي وضعها المؤرخان الفرنسيان شارل لانجلو وشارل سينوبوس، فـ"العمل في التاريخ عمل نقدي من الطراز الأول" (2) كما يقرر هذان المؤرخان. ولا يجب أن يظن ظان أننا نريد لنقدنا التاريخي أن يعتمد ثوابت العقل فحسب دون ثوابت الوحي ومعاييره كما فعل النقد الأوربي، فهذا أمر لا نقصده، وهو إن صلح لأوربا فهو لا يصلح لنا، ذلك أن أوربا حينما نفضت يدها من الدين، في الدراسات التاريخية وسواها، كانت تريد التخلص من قيوده وسطوة رجاله التي كبلتها طوال العصور الوسطى، بينما لم يضع ديننا أية قيود تحول دون النهضة والأخذ بأسباب التقدم والرقي، لا بل أن الازدهار الحضاري الذي عرفناه في الماضي كان مرتبطًا بالوحي وجاء في أعقاب نزوله، واستمد قوة انطلاقه من روح الإسلام التي تدعو إلى العمل والإبداع.