المذهل أن الشيخ محيي الدين، في ذلك الزمن الصعب الذي كان، والصليبيون ما يزالون في أجزاء من بلادنا، وإن كانوا قد تلقوا تلك الضربة القاصمة على يدي الناصر صلاح الدين في حطين.. في تلك الأيام التي وصلت فيها الثقافة العربية إلى أسوأ أيامها، والجهل شيء مخيف مرعب في الشارع، كان عليه أن يقرأ وأن يتكلم وأن يكتب.. فماذا كتب..
يقول خير الدين الزركلي في الأعلام إنه كتب نحو أربعمئة كتاب ورسالة، فإذا استعرضنا ما يمكن الوقوف عنده منها، كان لنا أن نتساءل من جهة، هل كان هذا الرجل موسوعة؟ وكان لنظرنا أن يلتفت من جهة ثانية إلى هذه السمة الخاصة التي ميزت فكره وزانت حياته وتجلت في مؤلفاته. فكأنه كان مقيدًا ذلك التقيّد -الحر الجميل الذي ينبع من داخل، بما يسميه المفكرون الآن مذهبًا، إن كانت هذه ترجمة مقبولة للكلمة.
ماذا قالت قطرة المطر
وحدة الوجود.. حسنًا. إنها هذه النظرة الشاملة إلى الله ومخلوقاته، الإنسان والكون، كل ما فيه يسبّح باسمه ويشهد بجماله. وهل جمال الموجودات إلا صورة من جمال الموجد؟ لقد كان الشيخ أكثر من قانع مؤمن بهذه النظرة الشاملة، ذاك أنه كان يذهب في أحيان كثيرة إلى حدود الانفعال الصادق. ومن هذا القبيل ما يروى عنه. حين مر يومًا بميزاب تتقطر منه نقاط بعد مطر في إيقاع التقطه الشيخ، فرأى فيه القصة كاملة، ذاك أن القطرة الواحدة حين تصطدم بالماء المتجمع تحت الميزاب كانت تقول: الله.. الله..
هكذا سمع ابن عربي.
وانظر إلى هذه الأسماء التي تغلفها النزعة الشاعرية الصوفية معًا، وهل يمكن أن يكون تصوف دون شعر، وهل يمكن فصل الشعر عن روح التصوف، مهما يبعد به المزار عن شاطئ المتصوفة: الوعاء المختوم.. درر السرّ الخفي، الأنوار، شجرة الكون، اللمعة النورانية، فتح الذخائر والأغلاق، شرح ترجمان الأشواق، عنقاء مغرب. فصوص الحكم.. شقّ الجيب.. الخ...