النص الأول: يبطن، وإن كان لا ينص صراحة، القول بقصور المرأة، وعدم أهليتها للتصدي للحياة العامة، لذا يحبسها في إطار الحياة الأسرية الخاصة.. والمرأة الكاملة في هذا النص هي الأم الحاضنة المربية، والزوجة الصالحة المدبرة، الودود الصبور الشكور.. هي الأم والابنة والأخت والزوجة.. لا كينونة ذاتية لها، بل كينونتها عين أدوارها وعلاقاتها الأسرية، والمسرب الوحيد من هذا السد الأسري يفتح على خارج الكون، ويظهر في علاقتها بخالقها ومعبودها.. وهنا أيضًا الكثير من الضوابط والعديد من الاستحسانات، التي تحثّها على جعل علاقتها باللّه علاقة ثنائية بعيدًا عن الجمع والجماعات.
أما النص الثاني فهو أكثر التفاتًا لجهة كينونتها الذاتية، وأكثر إضاءة لأهليتها الروحية، وقدراتها في مجال الرياضات والمجاهدات، وبالتالي يفسح لها مجالًا في مراتب الولاية الذكورية بالأصالة.
ومن خلال إشارات لنساء متصوفات، أفراد في حقل التصوف، نستشف نحن أهلية المرأة كجنس للعرفان والقرب الإلهي، وبالتالي مشروعية أخذ الرجل عنها، وتربيته في مجالسها، وتأدبه بنهجها وطريقها.
هاهو الحسن البصري يقول لصحبه مدللًا على شخص السيدة رابعة: هيّا بنا إلى المؤدبة.. وفي مجلسها تتداول مع أهل النخبة من الحضور، فنرى من طرحهم جميعًا لمفاهيمهم الصوفية علو تجربتها على تجربتهم، وبالتالي يصبح نصها هدفًا لمجاهدة رجل وتحققه من أمثال الحسن البصري ومالك بن دينار.. ويقول عنها محيي الدين بن عربي: رابعة العدوية المشهورة التي أربت على الرجال حالًا ومقامًا1-.
وهذه أيضًا فاطمة النيسابورية أستاذة ذي النون المصري؛ وهذا أبو يزيد البسطامي يقول لشيخ الملامتية: تعلّم الفتوة من زوجتك.. فالمرأة هنا، بشهادة البسطامي، وضعت قدمها في مقام يقصّر عنه أبطال الرجال، لأن الفتوة اقتحام وقوة ونصرة.