فهرس الكتاب

الصفحة 17425 من 23694

ويبدو أن الشقة أخذت تتسع بين علماء الفقه والشريعة وبين المتصوفة وأهل الطريق منذ أن برز ما يسمى بعلم الظاهر وعلم الباطن، وعلم الشريعة وعلم الحقيقة، حتى إن بعض هؤلاء المتصوفة أنفسهم كانوا يدركون ما يمكن أن يتهدد الأمة من خطر إذا هجر الناس العلم الشرعي، وركنوا إلى المناجاة واستكانوا إلى التأمل، زاعمين أن الوصول إلى الحضرة العلية لا يحتاج إلى عقل واع يرشد إلى التعاليم الإسلامية والعبادات المفروضة، وإنما يحتاج إلى قلب صاف ورياضة روحية، بهما تتحقق للعبد معرفة ربه، وبهما ينال رضاه، فكان أبو بكر الشبلي المتوفى سنة 247هـ، وهو أحد أصحاب الحلاج، يرد على علماء الشريعة بقوله:

برزت عليهم بعلم الخرق

ومن بين هؤلاء المتصوفة المعتدلين أبو سليمان الداراني المتوفى سنة 215هـ، فقد كان يسعى إلى التوفيق بين علم الشريعة وعلم الحقيقة، ولا يرى المتصوف صادق التصوف إلا إذا كان على حظ من العلم الشرعي، ولا الفقيه صادق الفقه إلا إذا كان على قدر من صفاء النفس وخلوص الفكر، فها هو ذا يقول مشيرًا إلى بعض المتطرفين من المتصوفة:"ما حرموا الوصول إلا بتضييعهم الأصول"فشريعة بلا حقيقة عاطلة، وحقيقة بلا شريعة باطلة". ... ما نال من جعل الشريعة جانبًا"

ولن نعجب إذا علمنا أن الشيخ الأكبر ابن عربي كانت له صولات وجولات في العلوم الأساسية في الإسلام، وأنه ترك لنا مؤلفات في علوم التفسير والحديث والكلام وأصول الفقه، وأنه كان كما يقول عنه المقري في (نفح الطيب) "ظاهري المذهب في العبادات، باطني النظر في الاعتقادات"وأنه هو الذي يقول بكل صراحة ووضوح:

شيئًا ولو بلغ السماء مناره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت