فهرس الكتاب
لم يكن اليسراوي رجل سياسة وفكر وصحافة وأدب فحسب، بل اقتحمت حياته الماضية قصة حب لا تماثلها قصة حب أخرى.. وقد ظلت ذكراها باقية في ذهنه حتى موته، وهي التي أوحت إليه رسالة الراح والأرواح.
في باريس عرف فتاة دمشقية اسمها وردة أو (روز) ، عند أحد أصدقائه الطلبة، الذي كان يدرس الرسم في معهد الفنون الجميلة.
لقد استطاع الهرب آنئذ إلى باريس، عاصمة الدولة التي تحكم بلده بالحديد والنار.. ذلك أن باريس ظلت في نظره -برغم ذلك- مدينة الحرية والنور، فشعبها طالما ثار على الظلم والطغيان، ووقف عماله وأحراره وكبار مثقفيه مع لفيف من نوابه إلى جانب قضيتنا العادلة.
كانت وردة تدرس في معهد اللغات الشرقية، أبوها ضابط فرنسي ألزاسي، وأمها عربية من دمشق.
توطدت بينهما علاقات صداقة ومودة، تحولت إلى حب فارتباط مقدس.
لقد كانا متوافقين في الآراء والتوجهات السياسية والفكرية، وفي نظرتهما إلى الإنسان والحياة والمجتمع.
حدثها عن امرأة عرفها من قبل، في باريس أيضًا، وهام بها لأنها تشبه الموناليزا. تزوجها وأغدق عليها وجوده وخياله وكل ما يملك، لكنه أدرك بعد وقت قصير أنه كان يجري خلف وهم، إذ رأى نفسه أمام امرأة عادية، شبه مبتذلة في تصرفاتها، متبرجة، تخدعها المظاهر البراقة، فارغة العقل، وهكذا تم الطلاق، وغادرها إلى الأبد.
وحدثته وردة بدورها، عن تجربة عاطفية فاشلة مشابهة لتجربته. اتفقا على الزواج بلا عقد، وأثمر ارتباطهما مولودة سمياها سعدى.
فجأة، نشبت الحرب العالمية الثانية، واختفت وردة مع طفلتها، ودخل هتلر باريس، فنكل بالأحرار والاشتراكيين والشيوعيين، وكان لا بد لأمين اليسراوي أن يرحل عن باريس، ويعود إلى وطنه.