ولا ينسى المؤلف أيضًا أن يثير جانبًا آخر يختلف فيه عن المعري، حين ذكر أنه لم ينافق، أو يضع قلمه في خدمة المرائين والمتاجرين، إذ يقول:
"وإذا انتحل صاحبي المعري في بعض الظروف والأحيان الأعذار- وهو الزاهد بالجاه والمال والسلطان -في تبرير ما أملى في رسالته، التي سماها (رسالة الهناء) ، وحشاها بالنفاق والرياء، على غير عادته في نقد كل ما يخالف حكم العقل والضمير والوجدان، فقد يكون عذره مقبولًا في عصر كعصره، أما أنا فلا أجد عذرًا، ولن أنتحل سببًا لأضع قلمي في خدمة المتاجرين بالأوطان والأديان".
ولا ينكر المؤلف أنه نهج منهج أبي العلاء في تناول موضوع السيرورة الإنسانية، بصرف النظر عن تشاؤمه، مع مراعاة ما فرضه الفارق الزمني من تطور وتحول على الفكر الإنساني. وهو يوضح هذه الناحية بقوله:
"وإذا نحوت نحو فيلسوف المعرة ورهين المحبسين، وتقمصت فكرة الثاقب في معالجة موضوع من أخطر المواضيع، ألا وهو السيرورة الإنسانية عبر تاريخها الطويل نحو الأفضل والأعقل، بصرف النظر عما فرضه عليه تشاؤمه الكوني من رؤية مظلمة، وبتقدير الفارق الزمني بين عصره وعصري، ونشأته ونشأتي، ففي ألف من السنين ويزيد، طرأت على العالم تطورات وتحولات كبيرة، وظهرت مبتكرات ومخترعات كثيرة، أثرت جميعها بطبيعة الحال في مجرى تاريخ الفكر الإنساني، وأحدثت من التغيرات في أساليب العمل ومنحى التفكير، ما لم يكن -ولا ريب- يخطر على بال أبي العلاء وسواه، من أساطين عصره وأعلامه الأدباء، ولكن النهج الذي سلكه المعري ظل حتى اليوم نهجًا سليمًا، يقوم على أساس من حكم العقل والضمير، وعدم القبول برأي أو نظرية أو فرضية، إلاّ بعد التمحيص والتدقيق والاستقراء والتجربة إلى أمد طويل."