لذلك نهجت نهجه، ونهج من سبقه وجاء بعده من أحرار الفكر من الكتّاب، ولا ينكر المؤلف -رغم ما ذكره عن الفارق الزمني، الذي أضاف كثيرًا من المعطيات، منذ عصر المعري- أن المعري قد سبق عصره بمراحل وأشواط، مما جعل أدبه خالدًا.
(هذه الرسالة إذن، هي نسج لحياتنا المعاصرة، وحصيلة صراع عنيف، ونضال مرير، لإحياء فكر عربي جديد، بعيد عن الأوهام والأساطير والشعارات المزيفة والأضاليل. ولم يلجأ كاتبها إلى أسلوب القدامى في التلميح والتعبير من بعيد أو قريب، إلى أحداث مشابهة في عصرنا الحديث، إلاّ تقيّة من قوى البغي والظلام، مما فرض عليه أن يتبع الأسلوب الساخر، والإشارات الخفية.
إنها تعبر عن روح المجتمع السائد، وفكر الإنسان العربي الحر، جمع فيها بين الغابر والحاضر، في رؤية صادقة واضحة، تخلى فيها عن الأسلوب القديم، فتغاضى عن التكلف في السجع والنثر والشعر، وعن الصور الجامدة التي قدمها لنا المؤرخون القدامى، الخالية من التفاعلات الروحية والفكرية والشعورية مع الأحداث السالفة).
وأخيرًا، يقول المؤلف:
"إن ما جاء في هذه الرسالة، لا هو بالمقامة ولا المقالة، إنما هو حلم من أحلام اليقظة، راودني بعد معاناة فظة، واتحاد روحي عميق بصاحبي المعري، ذلك الفيلسوف العبقري الألمعي، فنهجت نهجه في رسالة الغفران ورسالة الملائكة والشياطين، علني أغلّب الخير في النفوس على الشر، وأسقط النفع في الضر، فيتلاشى ما يكنه الإنسان لأخيه الإنسان، من تزمت وحقد وعدوان، ويتحول الصراع بين البشرية إلى صراع ضد الطبيعة البدائية".
ينهي المؤلف رسالته الناقصة بالقول:
لتظل رسالتي غير كاملة، ومن يدري فقد يأتي من بعدي من يسد ما فيها من نواقص وثغرات.. كما اقتفيت أنا أثر أبي العلاء في الغفران.
أما أنت يا وردتي الحمراء، يا أمنية تاقت إليها الأنفس والأرواح، سواء كنت في الأرض أم في السماء، أبعث إليك بهمة وداع.
أمين