فهرس الكتاب
كانت المعرفة والثقافة في كل مكان تقريبًا، فأبواب المساجد مفتوحة على مصاريعها لكلّ الورادين ومثلها دكاكين الورّاقين، وكان التعلم مجانًا من حق الجميع. وكان لذلك آثار بعيدة، فإن جمهور العلماء والشعراء لهذا العصر كانوا من أبناء العامّة، ويكفي أن نعرف أنّ أعلام الشعر حينئذ وهم بشّار بن برد وأبو نواس وأبو العتاهية ومسلم بن الوليد وأبو تمّام كانوا جميعًا من الطبقة الدنيا في الشعب، فبشّار كان أبوه طيّانًا، وأبو نواس كانت أمه غازلة للصوف ومن هذا الغزل كانت تعوله، وأبو العتاهية كان في صغره يحمل الخزف والجرار على ظهره في شوارع الكوفة يبيعها للناس، وكان أبو مسلم حائكًا، أمّا أبو تمام فكان أبوه عطّارًا؛ وكذلك كان العلماء في جميع فروع العلم، بل كان منهم من يجمع بين علمه وحرفته التي نشأ فيها مثل أبي أحمد التمّار وشعيب القلاّل الذي كان يصنع فعلًا القلال، وهما من المتكلمين. وكان أكثر العامّة يصيبون حظوظًا مختلفة من الثقافة، إذ لم يكن بينهم وبينها أي حجاب ولا أي حاجز، ومن خير مايصوّر ذلك أن نرى الجاحظ يقول:"وسألت بعض العطارين من أصحابنا المعتزلة37-. وكأن العطارين كانوا أقسامًا منهم من يتبع المعتزلة ومنهم من يتبع غيرهم ولابدّ أن كان مثلهم بقية التجار وأصحاب الحرف، فهم يناصرون هذا المذهب أو ذاك، وهم يناصرون هذا الأستاذ أو ذاك ولكل أستاذ أتباعه لا من أوساط المثقفين فحسب، بل من العامة أيضًا، وبذلك نفهم قول صاحب"النجوم الزاهرة"عن النظّام ونشاطه في الدعوة لآرائه الاعتزالية ببغداد إذ يقول:"وفي سنة 220 (للهجرة الموافقة لسنة 799ميلادية) ظهر إبراهيم النظام وقرر مذهب الفلاسفة وتكلم في القدر، فتبعه خلق"38-."