فهرس الكتاب
وفي هذا السياق تقول عالمة السريانيات الباحثة الروسيّة نينا بيغو ليفسكايا في كتابها الرائع"ثقافة السريان في القرون الوسطى"، والذي كان لنا شرف ترجمته إلى العربية39- تقول: كانت القرون الوسطى مرحلة ازدهار فعلي للمدارس السريانية، واستمرت هذه المدارس تقوم بدور المراكز التعليمية الرئيسة حتى القرن الثاني عشر للميلاد. وتضيف: ويجدر بالذكر، أنه قد وصلت من تلك الأزمنة معلومات حول بعض المناطق التي تحولت إلى"مشاتل"للعلم والثقافة ومصادر للتنوير والمعرفة في أقاصي الأقاليم الشرقية"40-."
فعلى الطريق الممتدة مابين القوقاز والخليج العربي، ومن آسيا الوسطى إلى شواطئ البحر المتوسط، وعلى حدود إيران ودولة السلاجقة، وبعد ذلك من حدود إيران الساسانية وعلى أراضي الامبراطورية الرومانية -البيزنطية قامت مراكز السريان ذات الأنشطة الاقتصادية (الحرفية والتجارية) . ولقد كانت تلك المراكز نقاط فعاليات متعددة الوجوه مابين الدول الآسيوية، وكانت في الوقت نفسه مراكز ثقافية هامة. ففي هذه المراكز التجارية -الثقافية برزت مختلف النظريات والاتجاهات، وتنافست شتى المذاهب والعقائد، التي تعرّف السكان إليها بصرف النظر عن انتماءاتهم العرقية -القومية المختلفة، وكذلك بفضل تحدّثهم باللّغة السريانية التي تحولت عندئذ لمختلف الأقوام والجماعات.
لقد استطاعت السريانية أن تشكّل بحقٍّ الوسيط الفعال مابين الغرب الإغريقي اللاتيني والشرق العربي -الإيراني. فقد لجأ الطرفان (الغرب والشرق) إلى عون السريان كنقلة علوم ومعارف ومترجمين. ولهذا أصبحوا أعضاء بعثات دبلوماسية ووفود، أرسلت إلى بيزنطة من طرف ملوك فارس، كما أدّوا دورًا هامًا ومميزًا مابين الدولة العربية العبّاسية وزعماء أوروبا الجنوبية.