أما حقيقة صورة أفغانستان خلال أربعة عشر قرنًا خلت فقد كانت صورة مغايرة تمامًا للصورة الكئيبة السابقة، كانت صورة مشرقة زاهية، شاركت فيها أفغانستان في ركب الحضارة الإنسانية، وقدمت الكوكبة تلو الكوكبة من رجالات الفكر والعلم والفلسفة والفقه والاجتماع والاقتصاد والطب، منذ أن دخلها الجيش العربي في فترة مبكرة بقيادة الأحنف بن قيس التميمي سنة 22هـ، الموافقة لسنة 642م، في خلافة عمر بن الخطاب حتى الآن.
ولو عدنا إلى تاريخ أفغانستان، سواء في فترة الفتح الإسلامي حتى الخلافة العباسية، أم في فترات الحِقَب التي تعاقب الولاة والحكام والقادة عليها، أم في الفترة الصفارية والغزنوية والمغولية، والغُورية، والخوارزمشاهية والتيمورية والاوزبكية والصفوية، وغيرها، كل هذه الدول كانت تدين بالإسلام، وتسهم في الحضارة العربية.
أما جغرافية أفغانستان، ومدنها كبلخ وهراة ومزار الشريف وقندهار وكابل وباميان وقندوز وطالقان وخوست وجلال آباد وغيرها من المدن والأقاليم قد أمدَّت العالم في كل حقلٍ من حقول المعرفة، وخاصة في حقل الدراسات الإسلامية.
فالعلماء الذين يحملون اسم مدينة كـ (هراة) ، واسمها العربي حيرات، يُعدَّون بالمئات، فقد ظهر منها أدباء وشعراء وفلاسفة، من بينهم أبو الفضل المنذري الذي أحسَنَ في الآداب. وله كتاب (مفاخر المقالة) ، وهو معلم منصور الأزهري، ويعرف المثقفون أن منصورًا الأزهري المولود في هراة والذي أسره بعض الأعراب عند رجوعه من الحج إلى بيت الله الحرام، واستفاد من الأَسْر، وتعمق درس اللغة العربيّة؛ حيث أصبح معلمًا مشهورًا ومؤلفًا، ومن آثاره الكثيرة القاموس المشهور (تهذيب اللغة) .