ويرى الرافعي أن الجمال ما هو إلا وسيلة إلى إدراك الجوهر، فإذا تعلق المحب بجمال الحبيبة، من غير أن يرى خصائص روحها، فما هذا بحب، ولو ذهبت بجمالها هذا بعقول الناس، وكانت في النساء كليلة البدر. فلا يمكن أن يسمى حبًا تعلق الإنسان بما يراه من لون وشكل وتركيب وتناسق وغيرها مما يظهر البشرية على أتمها وأحسنها في الشخص المحبوب، كما يظن الناس خطأ، وما الحب إلا التعلق بخصائص روح المحبوب وحده، فيبدو شخص المحبوب كأنه تمثال سماوي حامل لروح ذلك العاشق (24) .
إن سر حيرة العاشق حين تفتنه من يهواها يكون في اتصال المحبوبة بموضع السر من روحه (25) ، وربما خفيت المناسبة بين المحبين، لوجود شخصين متحابين لا مشاركة بينهما في وصف جمال ولا إحسان، ولكن في أمر خفي، وكذلك المناسبة بين الألحان الموسيقية وبين النفوس (( ذات ارتياض السمع، فيؤثر فيها عشقًا ونفرة، بحيث تحار الأذهان في علته ) ) (26) ، وهذا الحب إن تمكن من العاشق يستلذ عندها هذه الحال، ولا يمر المحب إلا في روح وريحان على طريق لذة النفس التي لا تنتهي، ويغدو المحب كأنه في تلك (( اللذات الروحية طفل لا يكبر ما دام في عمر الحب ) ) (27) .