فهرس الكتاب

الصفحة 17598 من 23694

إن الرافعي فيما سبق، لا يتكلم على لذة الحب بمعناها المادي (العَرَض) ، وإنما بمعناها الروحي (الجَوْهر) . ويمكن أن نطلق عليها تسمية السعادة، لأن اللذة من متطلبات الجسد (العَرَض) ، على حين أن السعادة من متطلبات الروح (الجَوْهر) ، واللذة فانية، بينما السعادة باقية لأنها إلهية. وكأن الرافعي وضعنا أمام عالم سحري مثالي عبر هذه الطفولة في الحب، التي تهدم العرض، وتعلي الجوهر، وتساعد الإنسان في العودة إلى مصدره الذي لا يفتأ يحنّ إليه، ذلك أن (( الحقيقة الكبرى لهذا الجمال الأزلي الذي يملأ العالم قد جعلت حنين العشق في قلب الإنسان هو أول أمثلتها العملية في تعليمه الحنين إليها، إن شاء أن يتعلم ) ) (28) ، فالمحبة الإنسانية وسيلة إلى المحبة الإلهية (29) ، (( فكما يحب إنسان بروح الشهوة، يحب إنسان آخر بروح العبادة، وهذا هو الذي يسميه الفلاسفة(تلطيف السر) أي جعله مستعدًا للتوجه إلى النور والحق والخير، وقد عدّوا فيما يعين عليه الفكر الدقيق والعشق العنيف )) (30) .

وهذا الحنين والتشوق لا يكون إلا من النفوس الصافية الذكية إلى العالم الإلهي، الذي هو كل جمال وكمال ونور وإدراك وإشراق وبهجة ولذة باقية (31) . والرافعي يذكرنا بموقف لسان الدين بن الخطيب الذي يرى أن المحبة البشرية يمكن أن تقترب من المحبة الإلهية إذا خلت من الشهوات، وهذه المحبة (( هي مناسبة الجمال الجزئي للجمال الكلي، ومن هذا الباب رشح حب الصور وعشق الحادث للحادث فما كان منه غير مقرون بالشهوات كان أمره أقرب، وإن كان من القواطع للنفوس، فربما كان سلّمًا للحب الحقيقي الموصل للسعادة، وما كان مقرونًا بالشهوات فلا كلام فيه ) ) (32) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت