فهرس الكتاب

الصفحة 17599 من 23694

وتفريق الرافعي في النص السابق بين روح الشهوة وروح العبادة، دليل على تأثره بالتصوف، فيقرر أن محبة الشهوة لا ترقى إلى درجة الحب، مجاريًا بذلك لسان الدين بن الخطيب وابن حزم الأندلسي (33) . وبدا الرافعي متأثرًا في النص ذاته بقول لسان الدين بن الخطيب: (( وسبيل السعادة عندهم [الحكماء] الرياضة وعلاج الأخلاق، حتى يصير شبيهًا بالخير المحض وهو المبدأ، وتلطيف السر، وأن تصرف عن النفس شواغل الجسم، ويترقى في معارج المحبة والشوق إلى ذلك الكمال بالفكرة، حتى تحس النفس بانجذابها إلى عالمها، وتفيض عليها عجائبه... ) ) (34) .

الحب عند الرافعي موقف فكري صوفي، وهو طريق إلى الله عبر الجمال، فكل لذة الحب وأروع ما في سحره أنه لا يدعنا نحيا فيما حولنا من العالم، بل في شخص جميل ليس فيه إلا معاني أنفسنا الجميلة وحدها، ومن ثم يصلنا العشق من جمال الحبيب بجمال الكون، وينشئ لنا في هذا العمر الإنساني المحدود ساعات إلهية خالدة تشعر المحب أن في نفسه القوة المالئة لهذا الكون على سعته (( فتمرّ النفس حينئذ في سبحات اللذة الروحية، من الجميل، إلى الجمال، إلى الطبيعة، إلى الله جل جلاله ) ) (35) .

2-أزلية الحب:

يرتبط الحب عند الرافعي بالأزل، فالحب من علائق النفس، والنفس أزلية، لأنها بحسب الفكر العربي الإسلامي من النفخة الإلهية. وليس الحب وليد الحياة الإنسانية، وإنما هو أزلي ولد في عالم الذر، وما للأرواح في ذلك من أمرها خيار أن تحب أو لا، فقد كانت الأرواح عاشقة في الأزل، وعندما نزلت إلى عالم المادة وعاشت في الجسد الترابي، فإنها تبحث عن إلفها الذي أحبته، فإذا ما حصل التعارف وقع الحب (( متخذًا من الشكل المحبوب وسيلته، فلا يكون أكمل ولا أجمل عند كل عاشق من معشوقه، إذ هو ليس إلا الصورة التي تتراءى فيها خصائص الجمال العلوي للخصائص التي في روح العاشق وطباعه، فتتصل بها من الجهة التي تنفذ منها إلى خالصة قلبه وداخلة روحه ) ) (36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت