وفكرة الرافعي هذه مستمدة من الفكر العربي الإسلامي، فهي ترى أن النفس في أصل نشأتها جزء من الأزل، ولا بد لها من معاني النور الإلهي الذي صدرت عنه، والذي يتمثل في الوجه الجميل ليضيء أعماقها، فيذكرنا بما كان لها قبل صدورها. فالحسن المعشوق يذكر العاشق المدنف بالنور الأزلي، ويكشف له عنه، ويجعله يبحث في الأرض عما ليس فيها، فيرى العالم صغيرًا، ويرى أن ساعة الحب تكمن خارج الحياة، أو أنها هي الحياة، فهو بالحب كائن فيما حوله، وما حوله كائن فيه (37) . فيصبح العاشق موجودًا بالعشق، ومتألهًا بالمعشوق.
ويفسر الرافعي سرّ جاذبية الجميل تفسيرًا كونيًا يستفيد فيه من الفيزياء، فيرى أنه جزء من القوة السماوية، وهذا الجزء هو سر الجمال، فسر الجمال ليس في التناسق أو التناسب أو ما أشبه ذلك، مما يدل على صورة حسية. وإنما هو في أن الله حين يبدع الجميل يرسل في دمه ذرة من مادة الكواكب التي هي سر عشقه، وجاذبيته، ومعنى قوته التي يتسلط بها على عاشقه، ويبث في دمه النار، ويخضع بهذه القوة لحبيبه في الوقت نفسه. ودلال الجميل المعشوق هو اضطراب تلك الذرة التي تتحرك فتجعل الجميل يتلألأ بالنور من كل جهاته، وتضع فيه معنى خياليًا. أما عاقبة مصادمة الحبيب فكعاقبة اصطدام الأرض ببعض الكواكب، تتحطم دون أن تعطل قوة الجذب التي للكواكب (38) .
إن الرافعي يسير سير ابن حزم، فالحب لا يتعلق في رأي ابن حزم إلا بالتمازج المذكور، ولو كان علة الحب حسن الصورة الجسدية، لوجب أن لا يستحسن (( الأنقص من الصور، ونحن نجد كثيرًا ممن يؤثر الأدنى ويعلم فضل غيره، ولا يجد محيدًا لقلبه عنه، ولو كان للموافقة في الأخلاق لما أحب المرء من لا يساعده ولا يوافقه، فعلمنا أنه شيء في ذات النفس ) ) (39) .