وأما العلة في كون النفس تولع بصورة حسنة، فهذا إنما هو من جهة الشهوة، وليس من جهة الحب، لأن النفس إذا ظفرت بما يشاكلها ويماثلها لم تبال بصورته، ولم تهتم بعرَضه (40) ، فالحب لا يتصل بالجسد ولا يحفل بلذاته بل يتصل بالروح، فمحبة الشهوة لا ترقى إلى درجة الحب.
وهذا ما يجعل من الحب مسألة تستعصي أسبابها على الفهم، والرافعي على الرغم من تأسيسه الحب على توافق الطباع، وتأكيده على طبيعة الجمال الأزلية وجاذبيته الكونية، لا يستطيع أن يحدد أسباب هذا الحب، ولا الخصال التي تجعله يحنّ إليها في المحبوب، فهو يحبها كما هي (41) . فهذا القلب لا يمكن أن يتحرك إلا بإرادة القدر، كما يرى الرافعي، وما أحكم الناس إذ يقولون في بعض حوادث الحريق (( إنها وقعت قضاء وقدرًا، فكل حريق القلوب لا يقع إلا هكذا ) ) (42) .
ولكن إذا كان الرافعي يؤكد على أزلية الحب، وتوافق المزاج والطباع والتركيب، أفلا يقع الحب دون أن يكون للمحبوب ميل للمحب؟
يرى الرافعي أن قوة الجذب التي في الحبيب لا تؤثر في كل إنسان، بل إن لكل جميل فكًا لا تعدوه قوة جذبه، وهذه القوة تبطل بفعل مواد مختلفة من ثقل الأرض تدافع الجاذبية التي في السماء، فتبطلها أو تضعفها (( ذلك بأن الله قد سلط على هذه الأرواح السماوية مواد مختلفة من ثقل الأرض لا تبرح تدافع تلك المادة من جاذبية السماء، فإما أبطلتها، وإما كسرت من حدتها، وإما أضعفتها، وإما طمست عليها ) ) (43) .