ونجد عند ابن حزم تفسيرًا يقترب جدًا من رأي الرافعي، فهو يرى أن هذا الأمر يتعلق بطبيعة الحياة الدنيا (العالم الأدنى) ، فتكون هذه الروح قد أحاطت بها الطبائع الأرضية، فحجبت كثيرًا من صفات الناس التي تتمتع بها في حقيقة أمرها. يقول ابن حزم: (( ... نفس الذي لا يحب من يحبه مكتنفة الجهات ببعض الأعراض الساترة، والحجب المحيطة من الطبائع الأرضية، تحسُّ بالجزء الذي كان متصلًا بها قبل حلولها حيث هي، ولو تخلصت لاستويا في الاتصال والمحبة ) ) (44) .
إن الحب عند ابن حزم والرافعي نابع من التمازج بين النفوس المتحابّة، فالحب منشؤه اتصال النفوس التي كانت من أصل واحد، وسببه التمازج بين النفسين المتحابين. أما الكره فيرجع إلى التباين بينهما، فسر التمازج والتباين في المخلوقات (( إنما هو الاتصال والانفصال والشكل دأبًا يستدعي شكله والمثل إلى مثله ساكن ) ) (45) .
إن قوة الجذب في الحبيب لا تؤثر في كل إنسان، فلكل جميل فلك لا تعدوه قوة جذبه، ولا تؤثر إلا في من هم من الفلك نفسه، وإلا فسدت الأرض وأصبح الجنسان كحجري الطاحون، لا عمل للأعلى إلا أن يطحن الأسفل، وأما ما يجعل الحبيبين في فلك واحد فهو القدر (46) ، فالحب خارج عن إرادة الإنسان وطاقته وفكره.
وقد يتخذ الحب عند الرافعي معنى عقليًا، فالمرأة تولد مرتين: الأولى حين تنحدر إلى الدنيا طفلة، والثانية حين تبلغ مبلغها وتنبعث ملء شبابها فيأني لها أن تولد ولادتها الثانية، لكن في قلب رجل. فالولادة الأولى أول وجودها، والولادة الثانية أول فنائها، لأن المرأة متى احتلت مكانها في قلب الرجل جعل يفنيها معنى في كل معنى، حتى تفرغ فلا يبقى منها إلا ذكرى زمن مضى، فهي على هذا معجزة عقلية ما دامت مخبوءة في إشعاع جمالها السماوي الذي يفعل فعله في الأديان والعقائد، وما أنزل منزلة الأديان والعقائد (47) .