فهرس الكتاب

الصفحة 17606 من 23694

فالحبيب يمكث حيث هو، لكن المحب ينقله في خياله، وينفذ إليه من خلال الكلمة والمعنى الذي يعبر عنه، لكن تبقى القبلة مثار تساؤل؟! فإذا كان هذا الانفصال بين وجود الحبيب ووجود الحبيبة قائمًا، فكيف تكون القبلة؟ ربما في الوهم (60) . ولنذكر أن الرافعي يتغزل برسم فوتوغرافي، حيث زعم أن الحبيبة قد أهدت إليه رسمها، وكتب لها رسالة"رسم الحبيبة" (61) ، وكان يضع على مكتبه صورة ملكة جمال تركيا (62) آنذاك ويتغزل بها أيضًا، فربما كانت القبلة التي عناها الرافعي هي قبلة الصورة.

ويرى الرافعي أن الحب وحده هو الناموس المطور للقوة المتخيلة، وكأنه أم تلد، فالمرأة تلد الإنسان، ولكن حبها يلد النابغة، ولقد خفف الله عن الإنسان قبح الحقيقة الواحدة، بأن أودع فيه قوة التخييل يستريح إليها من الحقائق (فإنْ ضجر أهل الخيال من الخيال، لم يصلحهم إلا الحب"(63) . وتصوير الحب الصحيح في قلب الإنسان هو حاجة الطبيعة الوحيدة إلى التصوير (64) ."

وقد ربط الرافعي الحب بالفن، فإلقاء الحب الصحيح في قلب معناه إيماء الفن إلى صاحبه ليفهم الصورة الشعرية الجميلة التي يأخذ منها الحبيب جماله، فكل ما يجيء من الحبيب كأنه وزن من الأوزان، وكأن الشكل المحبوب لحن موسيقي يخلق إنسانًا تتجاوب نفسه مع نفسه (65) . بيد أن الشعر الذي يتكلم عليه الرافعي هنا ليس بالضرورة ذلك التعبير الأدبي الفني، بل هو رمز الجمال، ذلك أن الحب الصحيح إذا سلمت فيه أسباب المودة، واعتدلت الشهوات، واستوى فيه غياب الحبيب وحضوره"كان أشبه بقوة سماوية تعمل عملها لتبدع من الإنسانية شعرًا أسمى من حقائقها، كما كانت الإنسانية نفسها قوة عملت أعمالها لتبدع من حقائق الطبيعة أخيلة أجمل من مادتها... ومن ثم فالحب كالطبيعة بين الإنسانية والإلهية" (66) .

5-المرأة والحب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت