بهذا البيت الصريح العميق الدلالة يوضح (أبو العِجْل) - وهو شاعر مغمور عاش في بغداد في القرن الثالث الهجري- أسباب انصرافه عن العقل إلى الحماقة، في زمان حصل فيه اختلال في القيم والمفاهيم، ولم يعد عقله قادرًا على أن يوصله إلى ما يريد من مال وجاه، فلجأ إلى الحماقة والاستخفاف بالعقل ليحصل على كل ما يريد، فامتلك المال، وبه امتلك الغلمان لخدمته، والبغال لمركوبه، بعد أن كان لا يملك شيئًا يركبه سوى رجله! فأي حق رُفع وأي باطل وُضع! ولماذا استخف هذا الشاعر بالعقل، ولجأ إلى الحماقة؟ أهو أحمق، أم أنه عاقل يدعي الحمق؟ ولماذا يدعي الحمق؟ أهنالك أسباب موجبة لهذا الادعاء، أم أنه انحراف في السلوك؟ وهل هذا السلوك يخصه وحده من بين الخلق، أم أنه ظاهرة واضحة بحاجة إلى دراسة وتحليل وتفسير؟ وهل هذا السلوك يخص عصرًا ومكانًا محددين، أم أنه موجود في كل عصر ومصر؟ ... كما تراه غَشومُ
وقبل الإجابة عن هذه التساؤلات لا بد من تعريف التحامق وتحديد معناه. التحامق لغة مأخوذ من"الحُمْق والحُمُق: أي قلة العقل.. وانْحَمَق واسْتَحْمَق الرجلُ إذا فَعَل فِعْلَ الحمقى.. وتحامق فلانٌ إذا تكلف الحماقة.." (2) . وهذا يعني أن الحمق خُلُقٌ طُبِع عليه بعض الناس، وهو غير التحامق، لأن المتحامق إنسان سوي العقل، وإنما يدعي الحماقة، وليست فيه، كأبي العِجْل الذي لم يكن أحمق، بل كان يتحامق ليكسب ما يريد.