فهرس الكتاب

الصفحة 17642 من 23694

ولم يكن هذا التحامق وليد عصر وزمن محددين، بل إنه وجد منذ وجد الظلم والاضطهاد، ومنذ أن وجد غني وفقير. وهذا السلوك لم يكن من مبتدعات الشاعر أبي العجل، بل سبقه إليه بعض الشعراء، وخلفه فيه آخرون، عرب وأعاجم؛ فممن سبقه إليه من الشعراء أبو دلامة (زَنْد بن الجَوْن 161هـ) وأبو الشَّمَقْمَق (مروان بن محمد 200هـ) ، وهما من الموالي الفرس، وممن خلفه فيه أبو العِبَر (محمد بن أحمد 250هـ) وهو عربي عباسي ينتهي نسبه إلى العباس بن عبد المطلب، عم النبي عليه الصلاة والسلام، وكان شاعرًا مطبوعًا صالح الشعر، وله شعر يغنَّى به، حتى إن أبا الفرج الأصفهاني أورد بعضًا منه في كتاب الأغاني (3) ، ووصف أبا العِبَر فيه بأنه أديب فاضل، لكنه اضطر إلى التحامق بعد أن".. رأى الحماقة أنْفَق وأنفَعَ له.." (4) . وقد عاد هذا التحامق عليه بالنفع الكبير؛ إذ"كسب بالحمق أضعاف ما كسبه كل شاعر كان في عصره بالجِد، ونَفَق نفاقًا عظيمًا، وكسب في أيام المتوكل مالًا جليلًا" (5) . وفي القرن الرابع الهجري برز هذا السلوك بوضوح أكبر عند شاعرين مشهورين أدارا معظم أشعارهما في العبث والمجون والتحامق، هما ابن حجّاج (حسين بن أحمد 391هـ) وهو شاعر من الموالي الفرس، وابن سُكَّرة الهاشمي العربي (محمد بن عبد الله 385هـ) . وكان لنشاط الكُدْية (التسول بأسلوب لا يخلو من الحيلة) في القرن الرابع الهجري وما بعده أثر كبير في تطور التحامق، فقد ذكر الهمذاني (398هـ) أسماء عدد من هؤلاء الشعراء والمُكْدِيْن، وذكر أطرافًا من أساليبهم في الاحتيال، وساق بعضًا من أشعارهم التي تصور ذلك، ولا سيما أشعار الأحنف العُكْبَري (358هـ) . ولعل شخصية أبي الفتح الإسكندري- بطل مقامات الهمذاني- نموذج لهؤلاء المكدين. وقد جاء على لسانه شعر يصف التحامق ويحتج له، من مثل قوله في آخر المقامة الساسانية (6) :

هذا الزمانُ مَشُوْمُ

الحُمْقُ فيه مَليحٌ ... والعقلُ عَيْبٌ ولُوْمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت