فهرس الكتاب
واتضح مما قدمنا من أشعار في التحامق اتجاه الشعر العربي بقوة نحو التعبير عن المشاعر الفردية، وتصوير هموم الناس ومشكلاتهم. فلم يعد كثير من الشعر تقليدًا أعمى للشعر القديم، أو صبًّا للمعاني في قوالبه الجاهزة، بل صار تعبيرًا عن النفس المقهورة التي هزمها حكامها بما أحدثوه من مظالم، وما لحقها من كوارث، لكنهم لم يستطيعوا سلبها روح السخرية، فعبرت من خلالها عن همومها ومشكلاتها. وهذا الاتجاه مهم في تاريخ الأدب العربي، وفي صالحه، لأنه خطا به خطوات واثقة في الاتجاه الصحيح، لكن هذه الخطوات لم يكتب لها الاستمرار طويلًا، وعاد سلطان الأدب القديم قويًا في النفوس، على حساب تلك الاتجاهات الجديدة، وإن لم يقض عليها نهائيًا.
ويعدّ شعر التحامق وثيقة تاريخية تكشف عن كثير من جوانب الظلم والفساد اللذين أصابا المجتمع المملوكي، كما يعد وثيقة نفسية تفصح عن أحوال الشعراء والناس الذين استعلوا على واقعهم الفاسد بالسخرية منه ورفضه رفضًا نفسيًا، بعد أن تعذر عليهم رفضه بالفعل. صحيح أن في هذه الأشعار مبالغات واضحة، لكن هذه المبالغات تخفي وراءها حقائق ثابتة، زاد الشعراء المتحامقون في تضخيمها ليلفتوا أنظار الحكام إليها، لعل أحدهم يمد لهؤلاء الشعراء يد المساعدة، فيصلح ما فسد، ويقوّم ما اعوجَ.
لكن رواج هذا اللون من النظم عند العامة وغيرهم من نقاد ذلك الزمان يشير إلى تردي الذوق العام، ولا يحمل كثيرًا من الأهمية للشعر من الناحية الفنية، وإن كان مضمونه مهمًا ومؤثرًا.
ومما يحمد للشعراء المتحامقين تجديدهم الواسع في بنية القصيدة، فألغوا مقدماتها حينًا، واستبدلوا بها مقدمات تصف فقرهم وسوء أحوالهم حينًا آخر، وحاولوا الاستقلال بالتحامق في القصيدة حينًا ثالثًا، لكن جميع محاولاتهم لم تكن قادرة على التصدي لتقاليد الشعر العربي الراسخة، ولاسيما المقدمات، والتغلب عليها، وإن كانت محاولاتهم جديرة بالاهتمام.
? الحواشي: