فهرس الكتاب
ومما يدل على أن بعض اللاميات تكثفت فيه الفصاحة وبلغت من البلاغة وجودة الصياغة كل مبلغ شهادة ناقد كبير كالباقلاني صاحب (إعجاز القرآن) الذي عندما أراد أن يبين إعجاز القرآن وفصاحته وبلاغة أسلوبه عمد إلى مقارنة أسلوب القرآن بأسلوبي قصيدتين تُعدُّ كل واحدة قمة في عصرها، وسيدة الشعر في زمنها، الأولى لامية امرئ القيس، تاج القصائد في العصر الجاهلي، والثانية لامية البحتري، التي تُعد سيدة القصائد في العصر العباسي. فقام بمقارنة تطبيقية تفصيلية بين قصيدتين من أجمل ما جادت به قريحة الإنسان مع جوانب من آي الكتاب المعجز؛ وانتهت المقارنة إلى تفوق أسلوب القرآن على أساليب جهابذة الشعر العربي، مهما اختلفت حظوظهم من الأصالة والحضارة، انظر ما قاله في صاحب اللامية الأولى:"وأنت لا تشك في جودة شعر امرئ القيس، ولا ترتاب في براعته، ولا تتوقف في فصاحته، وتعلم أنه قد أبدع في طرق الشعر أمورًا اتُّبع فيها، من ذكر الديار والوقوف عليها، إلى ما يتصل بذلك: من البديع الذي أبدعه، والتشبيه الذي أحدثه، والمليح الذي تجده في شعره، والتصرف الكثير الذي تصادفه في قوله، والوجوه التي ينقسم إليها كلامه: من صناعة وطبع، وسلاسةٍ وعفو، ومتانة ورقّة، وأسباب تُحمَد، وأمورٍ تؤثَر وتُمدَح، وقد ترى الأدباء أولًا، يوزنون بشعره فلانًا وفلانًا، ويضمون أشعارهم إلى شعره، حتى ربما وازنوا بين شعر من لقيناه وبين شعره في أشياء لطيفة، وأمور بديعة، وربما فضّلوهم عليه، أو سوَّوا بينهم وبينه، أو قرّبوا موضع تقدُّمه عليهم، وبرَّزوه بين أيديهم."