وهكذا يتضح الاختلاف جليًا بين التطور الذي حدث في الغرب أو سار نحو التحسن والازدهار، في حين ظل العالم الإسلامي، قانعًا بموارد الزراعة وتجارة السوق الآخذة بالضعف، وبخاصة بعد أن اكتشف الغرب الطريق إلى الشرق الأقصى من رأس الرجاء الصالح، ولم يكن في العالم الإسلامي ما يدفع إلى الاهتمام الجدي والشعبي بالعلم، مادام هذا الأخير لا يدرّ ربحًا، ولو أن العلوم أدت إلى نتيجة علمية تفيد الناس في حياتهم، وتلبي حاجاتهم، لوجدت من يهتم بها من أصحاب الأموال. ولكن هذا لم يحدث في العالم الإسلامي إلا حين عاد إلى اتصاله بالغرب، أي بعدما سبق السيف العذل.
وهكذا لم يعد مستغربًا اهتمام الغربي في جامعاته، وبدءًا من القرن الرابع عشر وليس من الثاني عشر كما يقول توبي هاف في الصفحة (187) من كتابه وهذا ما أدى إلى انبثاق فجر جديد في العلم. وليس كما يدعي المؤلف أن هذا الاهتمام راجع إلى واقع غيبي، بعيد عن العلم، فهو يقول في الصفحة (186) ،"مارس الغرب في العصور الوسطى ثورة قانونية وفكرية و اجتماعية عميقة غيّرت طبيعة العلاقات الاجتماعية، وأوجدت مجموعة أشكال جديدة من العلاقات الاجتماعية، ومجالات من الاستغلال الفكري و السياسي".
أما كيف حدثت هذه الثورة، وكيف غيرت دراسة القانون التركيب الاجتماعي، فلم يشر المؤلف إلى ذلك. فكان المؤلف ينفر من السبب الحقيقي كلما اقترب منه وكأنه يخشى أن يتهم بتهمة هو بغنىً عنها لئلا تلاحقه الماكارثية.
* باحث من سورية.
(2) كلنا نعرف أن الفصول لا تنشأ فحسب من دوران الأرض حول الشمس، وإنما من ميل محورها على مستوى دورانها حول الشمس.
(3) راجع الصفحتين 21 و22 من كتاب هاف.
(4) نقلًا عن جميل قاسم"العرب والعلم والنهضة الثالثة"ـ جريدة السفير (الثقافي) / العدد 76، تاريخ 6/6/1997.