فهرس الكتاب
المراد بالفاعل (نا) لجماعة المتكلمين هنا نفسه وليلى والجبل إذا جعلت تورية في كلمة (الهوى) بمعنى الهواء للجبل، وبمعنى العشق والحب قياسًا بحال المجنون وليلى، وهو الأرجح، وعاد إلى الحب فلم يتركه طفلًا رضيعًا يقوى بالرعاية والمناغاة من أبويه، بل جعله حليبًا يرضع ويشرب من هذا الجبل، وقد أنزله منزلة الأم التي ترضع أبناءها الحليب والحب والحنان، ومعاني الحياة الكثيرة في أثناء المناغاة والرضاعة كاللغة والأدب والعادات وما سوى ذلك من معاني التربية المبكرة.
والشعر لغة القطع، ونمو الأحياء فيه لا يحتاج إلى كثير قول وفضل وقتٍ، فقد انتقل المجنون مسرعًا من الطفولة المبكرة ابتداء؛ لأنه تحدث عن طفولة الحب ومناغاته على هذا الجبل، وكشف للجبل أنه رضع الحب من سفحه، وأنه الأم التي أرضعتهما هذا الحب، وهذا يؤكد معاني الرحمة المستكنة بين الأم وبنيها (وكبَّر للرحمن) وأراد أن يسرح في ذكرياته ليعيد أيامه الفائتة، فاستجلب بعض المشاهد، أو هجمت عليه بعض المشاهد كمشهد الغروب عندما كانا يسابقان الشمس، وهما يحدوان ليدفعا الخوف من هجوم ظلام الليل عليهما، ومن رهبة مهاجمة الذئاب أغنامهما، فكأن الحداء كان للشمس توسلًا إليها بالتمهل والتوقف قبل أن يسبقهما الليل إلى المضارب، وكأنه لم يكن لهما، وهما يحاولان سباق الزمن، فيا له من سباق! إنهما يريدان إدراك المنازل قبيل غياب الشمس، دفعًا لرهبة الليل، ودفعًا لألسنة الناس إذا تأخر بليلى في جنح الظلام.