فهرس الكتاب
هذه صورة المساء يرفعها الحداء إلى رتبة المشهد الحي المتحرك بالصوت والجسم والأغنام والنفوس والعقول والزمان والمكان. إنها حركة شاملة قائمة على السرعة في إدراك منازل الأهل قبل حلول الليل، مما يوحي أنهما يلهوان إلى حد نسيان النفس، فإذا أدركهما التأخر أسرعا يسابقان الشمس، إشارة منه إلى شدة حرصهما على قضاء النهار بطوله معًا على سفح جبل التوباد، لكن حالهما في الصباح لا تختلف كثيرًا عنها في المساء. وقد عبر عن شدة شوق كل منهما للآخر بقوله: (وبكرنا فسبقنا المطلعا) فهو وليلى لشدة الشوق والحب يسارعان صباحًا في سوق أغنامهما إلى المرعى على سفح جبل التوباد قبيل طلوع الشمس، ليكون اللقاء والوصل قائمًا على العفة، من غير أن يفطن الأهل لهما، فكل منهما -بعين الأهل- جاد في عمله، حريص على أغنامه يرتاد لها المرعى، ويبكر في الخروج إلى عمله إظهارًا للجدية في عين المجتمع القبلي، وتفريغًا للشوق الناشئ بفراقهما في الليل تعبيرًا عن شدة الحب بينهما، وزيادة الألفة.
واضح أن المجنون تناول يومين ذكر أحدهما بنهايته وذكر الآخر ببدايته، ليعبر عن حركة الحياة، وليستغرق الذكرى كما لو كانت عجلة الأيام قد عادت إلى الدوران من جديد على المستوى الشعري والشعوري، ولم يرض أن يخنق الذكرى في يوم واحد يبدأها بالصباح وينتهي بها مساء، طاوية أحلاسها على المشهدين المذكورين، مما يفقد المجنون لذة الذكرى ولذة حركة الأيام. ولعله ذكر نهاية اليوم لموت البعد من منازل ليلة وبداية اليوم التالي لعودة الحياة إليه من جديد، بعودته إلى الجبل، وهو وعاء ذكرياته، ومستقر مشاعره، ومحركها للإبداع معًا.