فهرس الكتاب
التفت المجنون إلى الجبل مرة أخرى ليجد نفسه لم يشبع من الحديث عن أيامه الخوالي فأعاد المعنى السابق على طريقة المعاني الثواني بقليل من الشعرية ذلك أن الشعرية إنما تكون بالوسائل البيانية غير المباشرة أو معنى المعنى، وليس كالبيت الذي بين أيدينا، وفيه يقول المجنون:
وعلى سفحك عشنا زمنًا
فالبيت يكاد يخلو من مجاز أو إنشاء، وهي لغة الشعر، وليس فيه سوى تلذذ المجنون بذكر الجبل وسفحه أي أسفله، وما يحتمله من وهم المجاز المرسل بذكر بعض الجبل وإرادته كله، وليس ذلك مقصودًا هنا سياقًا، فهو يرى أن العيش إنما كان على سفح جبل التوباد وما سوى ذلك فليس بعيش يحسب أو يعد من الحياة، وهذه جهة فنية شعرية، فكأن البيت معاودة توجز وتشرح الغامض من البيت السابق عليه في ترتيب النص، ثم يتحول بصره من سفح الجبل إلى ربوة تعلو عن السفح قليلًا، فيشير إلى الربوة بقوله: (هذه الربوة) تجسيمًا لها، وتعظيمًا لشأنها، وتلمسًا لجهات ماضيه ومشاعره فيها، وتنقلًا من الجبل عامة إلى سفحه، وهو أسفله، ومن أسفله يترقى بصره إلى مرتفع آخر يبحث فيه عن صورة من ماضيه، أو مشهد من مشاهد حياته هنا، فيجد نفسه أمام الربوة التي اتخذاها ملعبًا يطل على الأغنام من جهة، ويكشف شخصيهما لمضارب القبيلة، ويدفع عنهما الريبة، ويوضح أن هذه الذكرى تعلو على مسألة أنهما طفلان فقد صارا شابين، وما زالا يرعيان غنم الأهل معًا. ... وانثنينا فمحونا الأربعا
فهي ذكرى ترتقي في المكان والزمان أيضًا، والوعي للعلاقة بين الذكر والأنثى، والشعور بالمسؤولية عن هذه المشاركة التي نسي المجتمع -لطول الألفة الصحبة- خطرها، فارتفعا لهذه الثقة على هذه الربوة لتكون حياتهما مكشوفة واضحة، مثلُها في ذلك مثلُ حياة أبناء البادية، وهو تمثل من شوقي عجيب لطبيعة الحياة البدوية.