فهرس الكتاب
هذه صورة المجنون، وهذه صورة الجبل في عين المجنون كما تخيلها شوقي، ورسمها، وهي وإن فارقت الواقعية التاريخية قليلًا فإنها جاءت مناسبة للشخصية على نحو ما يليق بشخصية الشاعر البدوي، وليس محض صواب ما قاله د. سعد عبد المقصود ظلام، حيث يقول في شوقي:"يجري على لسان قيس بطل الرواية شعرًا لا يفصح عن روح محبٍ ذائبٍ كما تصفه لنا الروايات والأساطير، وإنما يفصح عن أشواق إنسان كبير السنِ، غير مشوقٍ كثيرًا... فقد فصَّل شوقي الحدث على البطل، لكن الثوب كان واسعًا، لا يليق به" [1] واعتراضنا على قوله:"لكن الثوب كان واسعًا: وقوله:"لا يليق به"، وفي ظني أن الرجل اعترض على جهتي إبداع شوقي، وسيأتي دفع قوله في أثناء ما يقدمه المقال من تساؤلات حول النصين تمهيدًا للموازنة الكاشفة عن عبقرية شوقي، وابتداؤها قولنا: ما الفرق بين الصورتين، وكيف تبنى دروب الموازنة بينهما؟! وماذا قدم شوقي من إبداع المجنون؟ وكيف صارت حال المشهد في هذا السياق المسرحي المدهش؟!!"
الموازنة بين النصين:
الموازنة باب واسع للحديث عن النصين، فأول ما يتبادر إلى الذهن الموازنة بينهما من جهة البناء الشعري، والوزن والقافية، ومن جهة المعاني، ومن جهة اللغة، ومن جهة الانفعال.
أما البناء الشعري فقد تخير المجنون نفسه البحر الطويل مركبًا لتجربته، وبناءً يحمي به ذكرياته، كيف لا يجعل هذا البحرَ بناءً لمادة الذكريات التي تشمل الحبيب والمنزل، كما كان البحر الطويل وسيلة حماية ذكريات امرئ القيس في معلقته، وأولها قوله:
قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
(1) المسرح الشعري بين أحمد شوقي وعزيز أباظة، د. سعد عبد المقصود ظلام، دار المنار للنشر والتوزيع، ط1، 1408هـ-1988م: 63.