فهرس الكتاب

الصفحة 17910 من 23694

لكن أمير الشعراء لم يلتزم عروضًا واحدة في بناء الرمل، فقد جاءت عروضه (فاعلن) ، وجاءت (فعلن) وكذلك الضرب من غير أن يقيد نفسه بالموافقة بين العروض والضرب. فهو من هذه الجهة تخير بحرًا غنائيًا، أو بحرًا من فصيلة قصار الأبحر، دون الطوال. فخالف عن قصد توجه المجنون للطويل، لغرض يخفى علي، فهل أراد ما ذهبنا إليه آنفًا؟ هل أراد محض المخالفة لإبراز تفرده، والتنبيه على إبداعه؟ ذلك أمر يصعب تقديره. وهو لم يخالف قواعد العروض والضرب في بحر الرمل، لكنه أكد ميله إلى الحرية في تنوع التفاعيل، وعدم الموافقة التامة بين تفاعيل العروض، أو تفاعيل الأضرب، أو الموافقة بين الضرب والعروض.

فميله إلى الحرية والتنوع يبرز جزءًا من شخصيته ومرونتها.

وميل المجنون إلى القواعد وصرامتها يبرز رغبته في الوفاء لقواعد الفن إلى حد المثال، مما يوافق مذهبه في الحب العفيف أو العذري، ليجمع بين صرامة القواعد ومثالية الحب، ولا أقول رومانسيته.

وأما حروف الروي التي بنى كل منهما المشهد عليه فمختلفة، ذلك أن المجنون تخير النون المشبعة بالياء، وتخير أمير الشعراء العين المشبعة بالألف، مما جعل المد ختامًا لكلٍّ من قصيدتيهما لكنه متنوع، فثمة فرق بين مد الياء، ومد الألف، من جهة الصدى في النفس، والظل الفكري والمعنوي، مما يقود إلى تفرد آخر حرص عليه شوقي لسر يعلمه أهل الموسيقى والفن الإيقاعي، مما لا يدخل في علمي، لكن هذه الحروف جاءت عندهما مطمئنة إلى قوافيها، وإلى أبياتها، على فروق يدركها أهل الاختصاص، ويلتمسون لها تفسيرًا من الوجهة الجمالية والآثار النفسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت