لعل من ذلك أن العين والألف الممدودة من مخرج واحد فبينهما مجانسة صوتية من جهة المخرج مما يعني ثقلًا عند القدماء يخل بفصاحة الكلام عند شيوخ البلاغة، فإذا اختيرت ذلك بالنطق وجدت شوقيًا قد كسر قواعد الفصاحة النظرية، وجاء بكلام لا يثقل على اللسان بل ينطلق به، وتجري معه النفس على شدة الشرط وقسوة تحديه لغير ذوي الفطنة. وترى يسر المخرج لحرفي النون والياء عند المجنون ذلك أن النون من مخرج أنفي والياء من مخرج حلقي، فمركبه سهل وسيره على خط التقليد في الفصاحة واضح، فكأن شوقيًا أراد الإبداع في طرائق الأداء ليشير خفية إلى أن الفن الجديد يحتاج إلى سمت جديد في طرائق اللغة وقوانين الفصاحة، والله أعلم.
وثمة فرق بنائي آخر يتعلق بعدد الأبيات، فقد عبر المجنون عن تجربته بالبحر الطويل المثمن التفاعيل، بستة أبيات، واحتضن الرمل التجربة عند شوقي بأحد عشر بيتًا، ولو ضربت ثمانية بستة كانت التفاعيل عند المجنون ثمانيًا وأربعين تفعيلة، قبالة ست وستين تفعيلة من تفاعيل الرمل عند شوقي، على خلاف التفاعيل في الطول، وتنوعها في البحرين المذكورين. مما يعني أن أمير الشعراء كان مستغرقًا المشهد ومطيلًا التأمل فيه أكثر مما فعل صاحب التجربة ذاتها الذي أفرغ طاقته وأشواقه بقليل من الأبيات المذكورة أعلاه، مما يعطي عمل شوقي طبيعة عقلية في صنعة مشاعر المجنون وصورته.