وأما من جهة المعاني فإن المعنى الكلي (فكرته) وقوف المجنون أمام الجبل، ورسم حاله وحال الجبل، فقد وقف المجنون على الجبل باكيًا من غير تحية، وسأله عن الذين عهدهم حواليه؟ فلم يكن لديه وقت لرد تحية الجبل الذي بدأه بالكلام والرؤية، لأنه مشغول بليلى وأهلها، وما سؤاله عنهم إلا ليعرف أخبارها، لكنه عفَّ حياءً، أو خوفًا عليها، وعلى سمعتها، في ذلك الزمان وأخبره الجبل خبرهم بأنهم رحلوا، وهذا شأن الحياة، وأنه يبكي الآن عند اللقاء لخوفه من رحيل المجنون بطرق شتى من طرق البكاء والدمع مشبهًا دمعه بأحوال المطر أو الغيث. فاستغراق هذه الصفات التي ذكرها للمطر يشير إلى أطواره النفسية المتقلبة التي يناسب كل واحدة منها ضرب من البكاء فنوَّع صور البكاء ليدل على تنوع مشاعره وتقلبها من حال إلى حال ارتفاعًا وانخفاضًا.
هذه حال أوجزت عما سلف تفصيله من فكرة أبيات المجنون ليبدو لنا أن ما صنعه شوقي الذي أنطق المجنون بالتحية عند وصوله الجبل أولًا، ولم تشغله حاله عن تحية الجبل والدعاء له. ولم يفرق شوقي بين رؤية الجبل من بعيد, وحال المجنون عند لقائه، ومعرفته معرفة اليقين لا معرفة الظن والتخمين. فكأنه بهذا يريد للشعر مفارقة الترتيب الواقعي، مهملًا ما في ترتيب الحدث من قيمة لتقريب الأمر من الواقع حيث يشتبك العالم الافتراضي للنص بالحياة، وحيث جبل التوباد مقر الذكريات والمشاعر، وحيث الخيبة النفسية، لأنه لم يجد شيئًا عند الجبل.