فهرس الكتاب

الصفحة 17915 من 23694

مما سبق يتبين أن الجبل عند شوقي عاد صورة مجسمة مسلوبة الإرادة، مجرد وعاء للذكريات، أصم لا يسمع آلام المجنون، ولا يأبه له، والمجنون جعله قرينة محرضةً حديث الذكريات.

وجملة الأمر أن شوقيًا ذهب إلى ما كان يجب أن يقوله المجنون، وليس إلى نص قوله، ولو أنه اتخذ من قوله معراجًا إلى سماء الفن المسرحي، واجتنابه التعبير المباشر عن حياته، مما يجعل المجنون عند شوقي عاقلًا مرتين، فهو يعقل واقع الجبل وحاله أولًا، ويعقل الفن وقوانينه ثانيًا، على نحو ما يعرفها شوقي وأهل زمانه، مما يجعلنا نقول: إن عمل شوقي ليس محاكاة ولا تضمينًا، ولو حمل صورة أيٍّ منهما، لكنه إبداع جديد على إبداع المجنون القديم. مما يحقق غرض هذا المقال.

ولعل ما قدمناه يعدّ كافيًا لإثبات هذا الادعاء كفايةً لا تحيط بالطاقات التعبيرية والشعورية التي أودعها شوقي نصه بعبقرية المجدد في رسم المشهد والحياة والقدرة على تمثل حياة المجنون، وحياة أهل البادية، كما لو كان واحدًا منهم، وهو شاعر القصر!!. والعجب لا ينقضي من قدرته على تخطيه للواقع الإخباري إلى الواقع الفني وموجباته مما يليق بشاعر بدوي، وتمثله الأيام الماضية التي نفذ إليها من نص المجنون، ولم يخترع تفصيلاتها من غير مسوغ فني يقتضيه الإبداع في الفن المسرحي والفن الشعري، ولم يعد للماضي لولا أن الشاعر لم يعطه مفتاح القول والتعبير، فكان مجددًا مبدعًا مراعيًا حق الفن والمثال وما يليق بالشاعر وفنه، من غير تكلف ولا ادعاء.

المصادر والمراجع:

1-أشعار الشعراء الستة، الأعلم الشنتمري، شرح وتعليق: د. محمد عبد المنعم خفاجي، بيروت - دار الجيل، ط: 1، 1412هـ- 1992م.

2-الجراثيم، عبد الله بن مسلم الدينوري، بتحقيق: محمد جاسم الحميدي، مطابع وزارة الثقافة العربية السورية، ط:1، 1997م.

3-ديوان ابن خفاجة، بتحقيق: د. سيد غازي، الاسكندرية- منشأة المعارف، ط: 2، 1979م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت