فهرس الكتاب

الصفحة 17914 من 23694

وأضاف إلى ذلك تفصيلًا في الذكريات التي أجملها المجنون بقوله: (أين الذين عهدتهم حواليك) فدخل شوقي النص من هذه الجهة وفتح بوابة الذكريات بإبداع التفاصيل كما أبدع التحية والدعاء ومشاهد الماضي التي أعادها حية موجزًا في تفصيلها من غير خلل ولا إملال، مغفلًا رأي المجنون، وخوفه على ليلى، ورهبته من أهلها وزوجها، ذلك أنه يدرك فناء ذلك الزمن وغياب أهله، فأولج آلته الفنية في ذاكرة المجنون، وأخرج منها صور الماضي، ورائع الذكريات في هذا الجبل، وعرضها عرضًا شعريًا جميلًا ومبسطًا، مراعاة لمفهوم أنه يكتب للجمهور المسرحي، وهو جمهور من مختلف الأعمار الثقافية، فجعل لغته مناسبة لذكريات المجنون وانفعاله مجردًا من الحال الأسطورية، مسلحًا بوعي عقلي لم نلحظه عند المجنون نفسه، وذلك من جهة إغفال شدة الانفعال، وعرض المشهد بالبكاء أمام تحية الجبل وتكبيره وتعجبه من هذه العودة وخوفه من فراق المجنون في الغد اقتضاء لقانون الحياة في الحركة واللقاء وانقضاء الوقت وانقطاع اللقاء وانصراف الحي وبقاء الجبل، لكنه ترك التأثير لتقنية الصور والمشاهد التي تضمنتها الذكريات، وعدل عن تصريح المجنون بالبكاء إلى التلميح بحدة الموقف، وشدة الحسر التي تحملها صور الذكريات وصيغها اللغوية، كقوله: (كم بنينا من حصاها أربعًا،...) فشوقي أراد أن ينقد المجنون، ويصلح له عيوبه، فكأنه وجده مقصرًا في عرض حاله ومشاعره بالأبيات المذكورة، فأظهر جسارة وجدارة، وتخطى عدد أبياته إلى ما يكاد يكون ضعفًا لها، وابتعد بها عن المباشرة، وحرمنا من صوت الجبل وإجابته ورؤيته وانفعاله، وأعطى الفرصة للمجنون للبوح بمكنون عقله ونفسه، ولم نجد سؤالًا عن بني عامر؛ لأن الحال والذكريات تغني عن السؤال عنهم، ذلك أنه أراد الغرض الإخباري بأن الجبل خال من الناس، مما يستفاد عند شوقي بالهروب إلى الذكريات التي حملها الماضي ومضى، دلالة على أن الذكريات عوض من حرمان الحاضر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت