وكان في ذاكرة سيف الدولة أيضًا صورة مشرقة وضاءة عن أجداده الحمدانيين الذين كان بينهم وبين خلفاء بني العباس روابط تشتد أحيانًا وتضعف أحيانًا أخرى، فما يكاد الخلفاء يلاحقونهم في إمارة الموصل ويفتكون بهم، حتى تعود الأمور إلى استقرارها، فإذا هم يسترضونهم ويتوددون إليهم، جاعلين منهم سندًا واقيًا ودرعًا حصينًا في وجه القبائل الثائرة والشعوب الطامعة، فقد كان خلفاء بني العباس على تخوفهم من الحمدانيين يعترفون لهم بالوفاء بالعهد والصفاء في العروبة، فهم مهما استبدوا بإمارة الموصل وتحصنوا فيها لا يقصرون بواجباتهم في دفع الضرائب لخزانة الدولة، ولا في مناصرة الخليفة على أعدائه، وليست لهم في كل الأحوال مطامع تتهدد بغداد مركز الخلافة.
كان سيف الدولة إذًا يشهد ذلك كله، ويشارك فيه في كثير من الأحيان، على حداثة سنه ونضارة عوده، فقد ورث صناعة الحرب عن أبيه أبي الهيجاء، وعن أخيه ناصر الدولة، وخاض وهو في العشرين من عمره الحرب مع أخيه، فهاجم بني ضبة فأبلى أحسن البلاء، حتى مدحه الشعراء قبل أن يصير أميرًا على حلب تتزاحم على بابه الشعراء، وكان عليه في مطلع شبابه ومقتبل عمره أن يدفع بهمته إلى حماية الخلافة العباسية في بغداد، وأن يقضي سنة 330هـ على البريديين أعداء الخليفة المتقي، وهكذا نشأ سيف الدولة نشأة عربية أصيلة، يعززها وعي سياسي عميق بأخطار المخططات الشعوبية المعادية للحكم العربي الذي كان في يده تصريف الأمور وتدبير الأحوال في الدولة الإسلامية المترامية الأطراف، ولهذا كان سيف الدولة ناقمًا على الترك الذين حاولوا أن يأتمروا به في بغداد، وناقمًا على الديلم الذين ما فتئوا يلحقون بالناس الأذى ويريدونهم بالظلم، وناقمًا على الفرس لأن العداوة تقليدية قديمة بينهم وبين آل حمدان.