فهرس الكتاب

الصفحة 17919 من 23694

وقد كانت حلب قبل أن يدخلها سيف الدولة تحكم من قبل الولاة الأعاجم الذين كان الخليفة العباسي يغتر بهم فيعينهم عمالًا له في حلب وفي غيرها من الأمصار، أمثال أحمد بن كيغلغ، وأبي قابوس الخراساني ووصيف البكتمري، وهلال بن بدر. ثم حكمها الإخشيديون فولوا عليها أحمد بن سعيد الكلابي الذي استدعى قبيلته بني كلاب من أرض نجد، فعاثوا في حلب فسادًا بعد أن عاث فيها بنو تميم من قبل.

وهل كان هذا الوضع السياسي كله أو بعضه بعيدًا عن ذاكرة أبي الطيب المتنبي وهو يجمع أشتات نفسه ليلقي بها في حلب بين يدي هذه الدولة الحمدانية الناشئة؟ لقد غادر العراق والدولة العباسية قد بلغت من التفكك والتجزئة حدًا لم تبلغه الدولة الإسلامية في سابق عهودها الزاهرة وأيامها العامرة، فقامت دولة البويهيين في فارس، والإخشيديين في مصر وبلاد الشام، والفاطميين في إفريقية، والقرامطة في البحرين، والديلم في جرجان وطبرستان، والبريديين في البصرة وواسط، والحمدانيين في الموصل، مما نبه أذهان الروم وأطمعهم بهذه البلاد، فأخذوا يتحرشون بها بين الحين والحين.

ففي سنة 337هـ أقبل أبو الطيب إلى بلاط سيف الدولة مشتت النفس موزع الخاطر، قلقًا، تفترسه الهواجس وتؤرقه الهموم، لعله يجد في الأمير الحمداني الفارس العربي الذي تتحقق على يديه الآمال المرجوة والمطامح المرتقبة، ولعلهما يتآزران معًا في إعادة المجد العربي الأصيل، وانتزاع الحكم من براثن الشعوبيين الذين اقتسموا البلاد وفتكوا بالعباد.

ولا بد هنا من التعرف إلى شخصية هذا الشاعر ومكوناته النفسية التي تحدد سلوكه العملي وموقفه الفكري من الوقائع والأحداث، فقد كان أبو الطيب لا يختلف عن سيف الدولة نبلًا في الروح، وسموًا في النفس، وحبًا للفروسية والبطولة، وتصديًا للشدائد والنكبات. وهو القائل:

بها أنف أن تسكن اللحم والعظما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت