إنها النفس التي أبت أن تخضع لقوانين المادة ونوازع الجسد، فنهض بها الإبداع الشعري إلى مرتبة الملوك والأمراء، فما كان يرى أنه أقل منهم شأنًا ولا أدنى مرتبة. فها هو ذا يخاطب أبا العشائر الحمداني بقوله: شاعر المجد خِدْنُه شاعر اللفظ كلانا ربُّ المعاني الدقاقِ ولا يزري به ما آل إليه أمره من اللجوء إلى كافور الإخشيدي واحتمائه به بعد أن غادر حلب مغاضبًا سنة 346هـ، وإذا به يتجرأ على كافور بقوله: ... تطاردني عن كونه وأطاردُ
وفؤادي من الملوك وإن كان لساني يُرى من الشعراء وكان لا بد لصاحب هذه النفس المتوثبة أن يكون شاعرًا منطلق الخيال ولكنه محبط الآمال، إذ كلما عظمت النفس واتسعت مداركها وتشعبت مقاصدها ضاق أمامها الكون، وعجزت عن التكيف مع الواقع، فتنقض عليها الخواطر متضاربة متصارعة، حتى لكأنها في حرب مستعرة بينها وبين عدو قاهر متخيل غير مرئي، يعمل على صدها والحؤول بينها وبين جليل المطالب وعظيم الرغائب، فإذا به يستبد به الضجر فيصرخ قائلًا:
أهمُّ بشيء والليالي كأنها
وحيد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قلَّ المساعدُ
وأنى لمثل هذه النفس أن تنعم بالراحة والقرار، وأن تتوازن فيها النوازع الشاردة والأماني المتعارضة. وهل للزمن المتقلب بين النور والظلام، والاستقامة والاعوجاج، والخصب والجدب، أن يبلِّغ شاعرنا مرتجاه ويحقق له مبتغاه، فتهدأ ثائرة نفسه وتستقر سورة وجدانه، وها هو ذا يصرح بذلك قائلًا: ... ما ليس يبلغه في نفسه الزمن
أريد من زمني ذا أن يبلِّغني
ولكن المشكلة لا يكمن حلها في الزمن ولا في غيره، لأن النفس الكبيرة كلما رحبت أمامها آفاق الفكر ودروب التأمل أصبحت عاجزة عن إدراك ما تريده ومعرفة ما تتوخاه، فما تكاد تتحقق لها غاية حتى تتولد غايات، ولا يستبين لها هدف حتى تتغلق أهداف. وهذا ما عناه أبو الطيب بقوله: ... وما تبتغي؟ ما أبتغي جل أن يسمى
يقولون لي ما أنت في كل بلدة