فهرس الكتاب
وليت الأمر كان يقف عند معاناة الشاعر مع ذاته القلقة وضميره الممزق، فأمام الشاعر وجود اجتماعي لا يفتأ يناصبه العداء، ويفوِّق نحوه سهام الحسد والبغضاء، ولا ذنب له إلا أنه صادق العزيمة صريح الرأي، معرض عن الخسيس من المكاسب والرخيص من المطامع، فإذا به يتقلب مهموم الروح، مغتم النفس، لا يغمض له جفن، ولا يسكن له جنان، فيعلن شاكيًا شديد الأسى: ... وأهدأ والأفكار فيَّ تجول
أعادى على ما يوجب الحب للفتى
على أن قلق المتنبي مهما كان صدى لهموم ذاتية أو معاناة وجدانية فإنه ينم عن قلق سياسي حضاري يعكس تبرمه بالواقع المرير وثورته على شراذم الحكام، وهو القائل: ... ولا أمرُّ بخلق غير مضطغن
لا أقتري بلدًا إلا على غَرَر
ولا أعاشر من أملاكهم ملكًا ... إلا أحق بضرب الرأس من وثن
يقول هذا وأمام عينيه ملوك جائرون، وولاة لا يتوانون عن ظلم الرعية وقهرها وانتهاب ثرواتها، ودفعها إلى مهاوي الذل والهوان، وهم في قصورهم آمنون، وإلى ملذاتهم منصرفون، فكيف لا تضوى بمرآهم الأجسام وتسقم الأرواح، فتدوّي في أعماقه صرخة ما هي إلا أنين شعب وتوجع أمة، فيقول:
واحتمال الأذى ورؤية جانيه غذاء تضوى به الأجسام
ولعلنا نجد في هذه الصرخات المغتاظة دليلًا على عمق وعيه السياسي، وبعد نظره في شؤون السلطة والحكم، بل في شؤون النمو الحضاري للأمة بشكل عام، فهو يرى أن مصائر الشعوب في أيدي أصحاب السلطة، فإذا فسدت هذه السلطة وانحرفت بها الأهواء، أو آلت إلى غير أهلها فسدت الشعوب، وفقدت وحدتها وتماسكها، وتخاذلت أمام أعدائها، ويتضح ذلك في قوله: ... تفلح عُرب ملوكها عجم
وإنما الناس بالملوك ولا
في كل أرض وطئتها أمم ... تُرعى بعبد كأنها غنم