وخلاصة القول أن أبا الطيب كان بهذا الموقف يحاول أن يخفف من حدة الصدام بين السلطة والشعب، وأن يقوم بدور الوسيط المخلص لكلا الطرفين، وأن يعيد التوازن إلى السياسة الداخلية بعد أن كادت تعصف بها رياح التمزق والخلاف، إذ كان الروم لا يفتؤون يراقبون من بعيد ما يجري بين ظهراني سيف الدولة، وينتظرون أن يدب الضعف إلى سلطانه، تحينًا للانقضاض عليه، وإيقاع الخسائر بجنوده، لعلهم بذلك ينفذون إلى أعماق البلاد الإسلامية، ويعيثون فيها خرابًا وتدميرًا. ولقد تحقق حلمهم ذاك الذي طالما داعب خيالهم، وانتظروه سنوات وسنوات، ففي عام 351هـ استطاع الروم أن يخترقوا تلك الجبهة الحصينة التي حماها سيف الدولة بعزيمته وعزيمة جنوده، وأن يستولوا على مدينة حلب بجيش قوامه مئتا ألف رجل، فدخلوا المدينة يقتلون وينهبون ويحرقون المساجد ويهدمون البيوت، حتى بلغ عدد القتلى من الأطفال فقط بضعة عشر ألف صبي وصبية، ولم يشفَ غيظُ نفوسهم بكل ذلك حتى قصدوا دار سيف الدولة فاحتلوها. إلا أن الأمير الشجاع لم يستسلم ولم يلق السلاح، فقد عاد فأجلى الروم عن حلب، وواصل معاركه معهم في شتى الأنحاء الشمالية، إلى أن وافاه الأجل سنة 356هـ، وكان رحمه الله قد جمع من نفض الغبار الذي علق بثيابه في غزواته شيئًا وعمله لبنة بقدر الكف وأوصى أن يوضع خده عليها في لحده، فنفذت وصيته بذلك، بعد أن نقل جثمانه إلى ميَّا فارقين ودفن هناك.
وبعد، فهذا الجانب من شعر المتنبي الذي حاولت أن أسلط عليه بعض الأضواء أغفله كثير من الباحثين في الأدب والتاريخ، وهو بحاجة إلى وقفة ليست بالقصيرة.
المراجع
-التبيان في شرح الديوان المنسوب إلى أبي البقاء العكبري.
الطبعة الثانية. مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر. سنة 1956.
-سيف الدولة وعصر الحمدانيين. تأليف سامي الكيالي
ط دار المعارف بمصر. سنة 1959.
-شرح ديوان المتنبي لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي.