ويقول العكبري في شرح البيت الأخير: لما سقاهم الغيث من جوده الذي أخصبت به منازلهم، وتروضت بسقياه مواضعهم، فقابلوا ذلك بالكفر، وتلقوه بقلة الشكر، أرسل عليهم من جيوشه غير ذلك الغيث، فبرقت عليهم السيوف، وهطلت عليهم الحتوف، وعادت البوارق التي كانت تقدم عليهم نعمه، بوارق سلاح أمطرت عليهم نقمه، واستعار البرق للنعمة والنقمة. ... كما يوجع الحرمان من كف رازق
ثم تنبعث الحكمة الدامغة على لسان المتنبي من قلب هذا الموقف إذ يقول:
وما يوجع الحرمان من كف حارم
وأما قبيلة نمير فقد كانت أهدى إلى الحق، وأرشد إلى الصواب، إذ رأت مصارع المارقين أمام أعينها، فآثرت الخضوع والاستسلام والانقياد إلى ما فيه السلامة والنجاة، وهذا ما يشير إليه أبو الطيب بقوله: ... وقد طردوا الأظعان طرد الوسائق
لوَفدُ نمير كان أرشد منهم
أعدوا رماحًا من خضوع فطاعنوا ... بها الجيش حتى رَدَّ غربَ الفيالق
فلم أر أرمى منه غير مخاتل ... وأسرى إلى الأعداء غير مسارق
تصيب المجانيق العظام بكفه ... دقائق قد أعيت قسي البنادق
فسيف الدولة يتناول أموره تناول قدرة، ويحاولها محاولة اعتزام وشدة، فلا يحتاج إلى المخاتلة والمسارقة، حتى إن مجانيقه العظام، مع اختلاف رميها وتعذر ضبطها لتبلغ في إصابة الهدف ما لا تبلغه القسي التي ترمي البنادق الصغار، فهو معان مؤيد، منصور مسدد، وذلك لسعة قدرته وما مكنه الله في رعيته.