وتتضمن المقامة الرازية ( [8] ) كون أبي زيد واعظًا، يعرض بالأمير وينهاه عن الظلم، وهذه المقامة تعتبر من المقامات الزهدية وهي تبدأ كالمقامات الأخرى بحديث الحارث بن همام من أنه بدأ يهتم بالنظر في العواقب، ويفرق بين ما يضر وما ينفع، ويتزين بمحاسن الأخلاق، ويترك أو يتجنب ما يزري بالأخلاق، وأنه ما يزال يأخذ نفسه بالآداب، ثم يقول إنه سافر إلى مدينة الري، وذات يوم يرى جماعة تسرع إلى موعظة، والواعظ بلا شك هو أبو زيد، يدعو إلى الخير وصنع المعروف، ويذكر في كلامه:
"... ولا تُبالِي ألَكَ أَمْ عَلَيْكَ * أَتَظُنُّ أَنْ سَتُتْرَك سُدَى * وأن لا تُحاسَبَ غَدا * أَمْ تَحْسِبُ أَنَّ الْمَوْتَ يَقْبَلُ الرُّشا * أَوْ يُمَيِّزُ بَيْنَ الأَسَدِ والرَّشا * كَلاَّ والله لَنْ يَدْفَعَ الْمَنُون * مالٌ ولا بَنُون * ولا يَنْفَع أَهْلَ القُبُور * سِوَى الْعَمَلِ الْمَبْرُور * فَطُوبَى لِمَنْ سَمِعَ وَوَعَى * وحَقَّقَ ما ادَّعى * ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * وعَلِمَ أَنَّ الْفَائِزَ مَنِ ارْعَوى * وأنْ ليس للإنسانِ إِلاَّ ما سَعَى * وأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثم أنشد إنشادَ وجِل * بصوتٍ زَجِل. . ." ( [9] )
وهنا نجد الحريري يقتبس من كلام الله تعالى ما يوضح المعنى ويضيف نوعًا من الموسيقى إلى كلامه في المقامة، فقد أفاد من الآية { أَيَحْسَبُ الإِنْساَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى } ( [10] ) ، ثم اقتبس الآية { وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى } ( [11] ) ، وكذلك اقتبس قول الله تعالى: { وَأَنْ لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ إِلاَّ ماَ سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى} ( [12] ) ، واضعًا الآيات في أثناء كلامه، مما منح الكلام نغمة السجع المحببة، وكذلك توكيد المعنى المراد من الموعظة.
ويستمر أبو زيد في كلامه قائلا: