"...قال الحارث بن همام فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُها بِصوتٍ رَقيق * ويَصِلُها بِزفيرٍ وشَهِيق * حتى بَكَيْتُ لِبُكَاءِ عَيْنَيْهِ * كما كُنْتُ مِنْ قَبْلُ أَبْكِي عَلَيْهِ * ثم بَرَزَ إِلىَ مَسْجِدِهِ بِوُضُوءِ تَهَجُّدِه * فَانْطَلَقْتُ رِدْفَه * وَصَلَّيْتُ مَعَ مَنْ صَلَّى خَلْفَه * ولما انْفَضَّ مَنْ حَضَر * وَتَفَرَّقُوا شَغَرَ بَغَر * أَخَذَ يُهَيْنِمُ بِدَرْسِه * ويَسْبِكُ يَوْمَهُ في قالِبِ أمْسِه * وفي ضِمْنِ ذَلِكَ يُرِنُّ إِرْنَانَ الرَّقوب * ويَبْكِى وَلا بُكَاءَ يَعْقُوب * حَتَّى اسْتَبَنْتُ أنَّهُ الْتَحَقَ بالأفراد * وأشْرِبَ قَلْبُهُ هَوَى الانفراد * فَأخْطَرْتُ بِقَلْبِي عَزْمَةَ الارتِحَال * وَتَخْلِيَتَهُ وَالتَّخَلِّي بِتِلْكَ الْحَال * فَكَأَنَّهُ تَفَرَّسَ مانَوَيْتُ * أَوْكُوشِفَ بِما أَخْفَيْتُ * فَزَفَرَ زَفِيرَ الأَوَّاه * ثُمَّ قَرَأَ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلىَ الله * فَأَسْجَلْتُ عِنْدَ ذَلِكَ بِصِدْقِ المُحَدِّثِين * وأيْقَنْتُ أَنَّ في الأُمَّةِ مُحَدَّثِين * ثُمَّ دَنَوْتُ إِلَيْهِ كَمَا يَدْنُو المُصَافِحُ * وَقُلْتُ: أوْصِني أَيُّهَا العَبْدُ النَّاصِحُ * فَقَالَ اَجْعَلِ المَوْتَ نُصْبَ عَيْنِكَ * وَهَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ * فَوَدَّعْتُهُ وَعَبَرَاتي يَتَحَدَّرْنَ مِنَ المَآقي * وَزَفَرَاتي يَتَصَعَّدْنَ مِنَ التَّرَاقي * وَكَانَتْ هَذِهِ خَاتِمَةَ التَّلاَقي." ( [65] )
وكما نقرأ هنا (بكاء يعقوب) إشارة إلى ما جاء في قصة يوسف عن أبيه يعقوب عليهما السلام، وآخر اقتباس قول الله تعالى: { فَإِذَا عَزِمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ } ( [66] ) ، والثالث جزء من آية من سورة الكهف: { قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَالَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } ( [67] ) .