وفي المقامة الصعدية ( [58] ) نقرأ أن الحارث بن همام يحكى قصة"شيخ بالي الرياش، بادي الارتعاش"حضر عند القاضي مع غلام، ويشكو إلى القاضي أن ابنه لايسمع كلامه ولايطيعه ولا ينفذ أمره، فيقول القاضي: إذا خالف الولد أمر والده فقد الوالد ولده، فقال الغلام غاضبًا: إنه أطاع والده ونفذ كل أوامره، وأنه علّمه أدب النفس، وأن الطمع معيبة وشدة الحرص وغلبته مفسدة، وعندما افتقر كلّفه الاحتيال والتسول. أما الشيخ فغضب على ابنه وطلب منه السكوت، ثمّ ندم على أنه كان قاسيًا معه، وتحدث في فضل القناعة وزين كلامه بالأبيات الشعرية التالية:
وَاسْتَنْزِلِ الرِّيَّ مِنْ دَرِّ السَّحابِ فَإِنْ
وإِنْ رُدِدْتَ فَمَا فِي الرَّدِّ مَنْقَصَةٌ ... عَلَيْكَ قد رُدَّ مُوسَى قَبْلُ والْخَضِرُ ( [59] )
وهنا تلميح إلى قوله تعالى: حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ ... أَفْرَطْتُ فِيهِنَّ وَاعْتَدَيْتُ
يُضَيِّفُوهُمَا ( [60] ) . فقد رد أهل القرية موسى والخضر عليهما السلام ولم يطعموهما، فاتخّذ ردهما مثلا يتأسّى به.
وفي المقامة الحلبية ( [61] ) :"قال لَهُ بُورِكَ فِيكَ من طَلا * كما بُورِكَ في لاَوَلا" ( [62] ) ، يعني شجرة الزيتون يشير إلى قوله تعالى: { مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَشَرْقِيَّةٍ وَلاَغَرْبِيَّةٍ} ( [63] ) .
وهذا في غاية الإغراب، فكيف بورك في لا ؟ هنا لابد أن يكون القارئ ذا حس لغوي وأدبي وحفظ ومعرفة ليتمكن من تفسير هذا الكلام وربطه بما جاء في القرآن من وصف الزيتونة وأنها لا شرقية ولاغربية!
وفي المقامة البصرية ( [64] ) :